الأزمة في العلاقات الدولية هي مقدمة الحرب أو حرب بدون سلاح. والحرب بطبيعة الحال تخضع لمنطق الربح والخسارة. وفي الأزمة تستعمل الدول كل جهودها الدبلوماسية للخروج منها بأقصى ما يمكن من «الربح» الدبلوماسي وأقل ما يمكن من «الخسارة» الدبلوماسية.

يرمي هذا المقال إلى وضع الأزمة التي اندلعت مؤخرًا بين المغرب وإسبانيا في الميزان لتقييم مخرجاتها بهدف تحديد «الأرباح» وإحصاء «الخسائر».

أولًا: ماذا ربح المغرب؟

من الطبيعي أن يحاول كل طرف في الأزمة الدبلوماسية بين البلدين أن يضاعف أرباحه ويقلل من خسائره. ما الذي ربحه المغرب وخسرته إسبانيا؟

1- إدراك إسبانيا لجدية المغرب في اعتبار استقبال زعيم جبهة البوليساريو بداية أزمة بين البلدين

حينما اندلعت الأزمة صرحت وزيرة الخارجية الإسبانية بشكل مقتضب جوابًا على احتجاج وزارة الخارجية المغربية بخصوص استقبال زعيم الجبهة أن ذلك تم لدواعي إنسانية وأن العلاقات مع المغرب لن تتأثر من جراء ذلك. إلا أن رفض المغرب لهذا التبرير وإصراره على ضرورة التشاور معه قبل الإقدام على ذلك ومطالبته بتقديم زعيم الجبهة إمام القضاء دفع إسبانيا إلى أخذ الموضوع بجدية ومن تم إطلاق تصريحات تتجاوب إلى حد ما مع المطالب المغربية.

2- استجابة إسبانيا لمطالب المغرب بضرورة عرض زعيم الجبهة على القضاء للنظر في الشكايات الموجهة ضده.

أسفرت الضغوطات التي مارسها المغرب على الحكومة الإسبانية تجاوب هذه الأخيرة مع المطالبة بمحاكمة زعيم الجبهة أمام القضاء الإسباني. حيث مثل «إبراهيم غالي» في فاتح يونيو أمام قاضي التحقيق بالمحكمة العليا الإسبانية عبر تقنية الفيديو من المستشفى الذي يعالج فيه بمدينة «لوكرونيو» الإسبانية.

3- تخفيف إسبانيا من حدة لهجتها تجاه المغرب والتزامها بالتشاور معه حول أي قرار أو إجراء من الممكن أن تتخذه بخصوص ملف الصحراء.

توالت التصريحات الحكومية الإسبانية التي تحاول التخفيف من حدة الأزمة بين البلدين، حيث اعتبر رئيس الحكومة الإسبانية أن «مدريد هي أكبر وأفضل حليف للمملكة المغربية داخل الاتحاد الأوربي «وأن» إسبانيا هي الشريك الأفضل في الدفاع عن مصالح الرباط».

وبعد أن كانت وزيرة الدفاع الإسبانية قد اتهمت المغرب بالاعتداء والابتزاز قالت، بعد ذلك، أن إسبانيا كانت على مر التاريخ واحدة من الداعمين الرئيسيين للمغرب بعلاقات يحكمها الاحترام، وأنه من واجب البلدين التفاهم مع بعضهما البعض.

وأصر المغرب في إدارته للازمة الدبلوماسية مع إسبانيا على ضرورة التشاور معه في كل الملفات التي تهمه. وهذا ما استجابت له إسبانيا من خلال إشعارها المغرب بموعد مغادرة «إبراهيم غالي».

4- موقف متضامن من البرلمان العربي مع المغرب في مواجهة الموقف الأوروبي المتضامن مع إسبانيا.

أمام توجه إسبانيا للبرلمان الأوروبي واستصدار قرار يدين المغرب في الأزمة الثنائية بين البلدين، أفلح هذا الأخير من خلال جلسة طارئة عقدها البرلمان العربي بالقاهرة في حشد التضامن معه حينما صدر قرار بالإجماع يؤيد موقفه من الأزمة ويدين قرار البرلمان الأوربي ويطالبه بـ«التخلي عن الممارسات الاستفزازية، وتبني مواقف عملية ومسؤولة، تعزز التعاون والتنسيق المشترك بين الدول العربية والأوروبية».

5 – التعريف الدولي بملف سبتة ومليلية والتعاطف العربي مع القضية.

ساهمت الأزمة بالتعريف دوليًّا بقضية سبتة ومليلية وحظيت بالدعم العربي الرسمي والتعاطف الشعبي حيث طالب البرلمان العربي بضرورة «فتح ملف مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، والجزر المغربية المحتلة لتسوية هذا الوضع المخلف من الحقبة الاستعمارية».

6- قدرة المغرب على استثمار عدة ملفات في علاقته مع إسبانيا للضغط من أجل الحصول على تنازلات أو تحقيق مكاسب

أبانت هذه الأزمة قدرة المغرب على توظيف عدة أوراق في إدارة علاقته مع إسبانيا من أجل الحصول على مكاسب سياسية. الضغوط الدبلوماسية التي مارسها المغرب على إسبانيا في البداية أربكت الحكومة الإسبانية إلا أنها لم تحقق التجاوب المطلوب. لينتقل المغرب، بعد ذلك إلى الرفع من مستوى الضغوط من خلال تخفيف القيود على الحدود مع «سبتة» ليتدفق المهاجرون في إشارة إلى الدور المهم الذي يقوم به المغرب في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية.

ويبدو أن استهانة إسبانيا بقدرة المغرب على إدارة الأزمة كانت سببًا في عدم توقعها لردة فعله، الشيء الذي زاد من حدة الضغوط الداخلية لتستنجد إسبانيا في خطوة متسرعة بالبرلمان الأوروبي لتستقوي به على المغرب. وفي مواجهة ذلك استطاع المغرب أن يحصل على التضامن العربي في صفه، بل والأكثر من ذلك على المطالبة العربية بفتح ملف مدينتي سبتة ومليلية.

ولمزيد من الضغط على إسبانيا قرر المغرب أيضًا استثناء الموانئ الإسبانية من عملية «مرحبا 2021». وهي العملية التي يجري تنظيمها سنويًّا لتأمين عودة المغاربة المقيمين بالخارج لقضاء العطلة في بلدهم، والتي تسمح عادة بعبور نحو 3340 ألف مسافر (سنة 2019) من إسبانيا إلى المغرب وهو ما يمثل خسائر مالية مهمة لإسبانيا.

7- جبهة داخلية موحدة بخصوص الموقف المغربي مقابل اختلاف الموقف الإسباني بين الحكومة والمعارضة.

عادة ما تتوحد القوى السياسية والمجتمعية في المغرب حول قضية الصحراء. وهذا ما حدث بالفعل حين عبرت الأحزاب الممثلة في البرلمان في بيان مشترك صدر عقب اجتماع عقدته مع رئيس الحكومة في 8 مايو (أيار) على أن استقبال إسبانيا لرئيس الجبهة الانفصالية يعد عملًا «مرفوضًا ومدانًا». كما تظاهر العشرات من المواطنين المغاربة المقيمين بإسبانيا أمام مقر المندوبية الفرعية للحكومة الإسبانية بمدينة «مالقة» يدعون العدالة الإسبانية إلى إعادة تفعيل مسطرة المتابعة في حق «إبراهيم غالي».

وبالمقابل انتقدت المعارضة الإسبانية تدبير حكومة بلادها للأزمة مع المغرب حيث قال «بابلو كاسادو» زعيم الحزب الشعبي في تصريح صحفي إن «العلاقات الاقتصادية مع المغرب ليست فقط على المحك، بل إن التعاون بين إسبانيا والمغرب ضد الإرهاب ومكافحة تهريب المخدرات في خطر».

8- توقف إسبانيا عن التحركات المعادية لمصالح المغرب في قضية الصحراء.

قالت وزيرة الخارجية الإسبانية في تصريح صحفي إنه فيما يتعلق بقضية الصحراء فإن «إسبانيا مستعدة للنظر في أي حل يطرحه المغرب على طاولة المفاوضات». وتابعت «كنا دائمًا حذرين للغاية بخصوص الوضع في الصحراء… نفهم تمامًا أن المغرب لديه حساسية كبيرة بشأن هذه القضية. ويتضمن هذا الموقف المحترم عدم الرغبة في التأثير على الموقف الذي قد تتخذه الولايات المتحدة الأمريكية».

9- فشل إسبانيا في الحصول على تأييد من الولايات المتحدة في أزمتها مع المغرب.

وفي التصريح الصحفي ذاته قالت وزيرة الخارجية الإسبانية بخصوص مشكل الهجرة أن «الاتحاد الأوروبي دعم إسبانيا، وفي المقابل انحازت الولايات المتحدة الأمريكية إلى صف المغرب»، وأضافت «لقد دعم الاتحاد الأوروبي إسبانيا بالكامل، لكن الولايات المتحدة كانت أبعد من ذلك بكثير. فقد نظرت واشنطن إلى مكان آخر…».

10- زعزعة الاستقرار الحكومي بإسبانيا ودفعها إلى تعديل حكومي بإزاحة وزيرة الخارجية.

مما لا شك فيه أن الأزمة الدبلوماسية بين البلدين كانت من بين الأسباب التي دفعت رئيس الحكومة الإسبانية إلى إجراء تعديلات وزارية مست كما كان متوقعًا وزارة الخارجية حيث تم تعيين «خوسي مانويل ألباريس» سفير إسبانيا في فرنسا وزيرًا جديدًا للخارجية. هذا الأخير أدلى مباشرة بعد تعيينه بتصريحات إيجابية تجاه المغرب.

ثانيًا: ماذا خسر المغرب؟

استطاع المغرب أن يدير هذه الأزمة بشكل مناسب وأن يجني منها أرباحًا تعزز مكانته في العلاقات الثنائية مع إسبانيا، إلا أنه في المقابل تعرض لبعض الخسائر.

1- سوء توظيف ملف الهجرة في الأزمة.

يعتبر المغرب شريكًا مهمًّا للاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير النظامية. ويبذل المغرب وإسبانيا جهودًا وتعاونًا مشتركًا خاصة في المجال الأمني للحد من هذه الظاهرة. وفي إدارته للأزمة الدبلوماسية مع إسبانيا وبهدف لفت انتباهها لجديته، عمد المغرب إلى استخدام ملف الهجرة من خلال تخفيف القيود الأمنية على الحدود مع سبتة مما أدى إلى تدفق أكثر من 10 آلاف مهاجر غير نظامي إلى المدينة.

وحاول المغرب تبرير موقفه حيث قال وزير الخارجية أن المغرب ليس دركيًّا ولا حارسًا أوربا لحماية الحدود التي ليست له. وأضاف أن ما يحصل عليه المغرب في المتوسط من الاتحاد الأوروبي لا يتجاوز 300 مليون أورو سنويًّا، أي أقل من 20 من التكلفة التي يتحملها في محاربة الهجرة.

توفق المغرب من خلال استخدامه لملف الهجرة في لفت انتباه إسبانيا إلى جديته في طرح الأزمة، إلا أن السماح بتدفق عدد هائل من المهاجرين غير النظاميين على مدينة سبتة تم تسويقه إعلاميًّا بشكل يسيء لصورة المغرب على المستوى الدولي واستغلاله سياسيًّا من طرف إسبانيا لاستصدار قرار من البرلمان الأوروبي يدين المغرب.

2- موقف البرلمان الأوروبي المتضامن مع إسبانيا في مواجهة المغرب حول قضية سبتة ومليلية.

صوت البرلمان الأوروبي في جلسة 10 يونيو 2021 بستراسبورغ بأغلبية 397 صوتًا ومعارضة 85 وامتناع 186 عن التصويت لصالح قرار إدانة المغرب بما وصفه بالـ«ابتزاز» أوروبا في أزمة الهجرة. وشدد البرلمان على أن سبتة هي حدود خارجية للاتحاد الأوروبي والتي تتعلق حمايتها بالاتحاد بأسره.

كما طالب الاتحاد أيضًا المغرب بإبرام اتفاق على وجه السرعة لإعادة قبول المهاجرين المرحلين من أوروبا.

3- موقف البرلمان الأوروبي الموحد من قضية الصحراء.

في قراره المشار إليه أعلاه شدد البرلمان الأوربي على أن ضغط المغرب لن يحمله على تغيير موقفه من الصحراء والذي يقوم على الاحترام الكامل للقانون الدولي وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي والعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة لتحقيق حل تفاوضي عادل ودائم وسلمي ومقبول للطرفين.

إذ كان المغرب يطمح أن تحذو دول الاتحاد الأوربي حذو الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بسيادته على الصحراء. إلا إن تحركات سابقة لألمانيا في مجلس الأمن بخصوص الملف وصفها المغرب بأنها مناوئة لمصالحه واتخذ بشأنها إجراءات دبلوماسية «تحذيرية»، إضافة إلى تحركات إسبانية من خلال تصريحات ومحاولات لدفع الرئيس الأمريكي الجديد «بايدن» للتراجع عن قرار الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، فرضت على المغرب التدخل لمحاصرة تمدد هذه المحاولات على صعيد باقي دول أوربا خاصة لما لإسبانيا من تأثير بوصفها قوة استعمارية سابقة للمنطقة.

وإذا كان قرار البرلمان الأوروبي بخصوص قضية الصحراء لا يبدو في صالح المغرب فإنه من زاوية أخرى ألجم التحركات المناوئة لمصالحه لدى الإدارة الأمريكية. والتي يسعى المغرب جاهدًا إلى استصدار قرار منها «يحصن» قرار الإدارة السابقة بخصوص الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد