لم يُتصور في يوم ما أن يصبح جسر بحجم وبساطة “بزيبز”، الذي يستند على ركائز من حديد تطفو على نهر الفرات عند أحد الأطرف النائية للعاصمة بغداد، من أشهر جسور العالم في هذا العصر ويذيع صيته في جميع أصقاع الأرض ليس لعمقه التاريخي ولا لحداثة وبراعة عمرانه، وإنما لشهادته على مأساة عشرات الآلاف من بني البشر احتشدوا عنده فرارا من الموت وطلبًا للغوث، في وقت سيكتب التاريخ أن العاصمة بغداد رفضت إكرامهم بعد أن لاذوا بها، بل إن السلطات فيها عمدت على إذلالهم وتجويعهم حتى فارق الحياة عدد من الأطفال والشيوخ فوقه.

ليس هذا فحسب وإنما أقدم البعض منهم على الانتحار ليتخلص من معاناة لا يعرف منتهاها، والحكومة تقف موقف المتفرج ولا تحرك ساكنًا وكأن الذي يجري هو عرض سينمائي لا يمت إلى الواقع بصلة.

خمسون ألف نازح

بعد سقوط مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بيد تنظيم “داعش”، نزح منها نحو 50 ألف نازح فروا بأنفسهم من شدة المعارك المستعرة لاستعادتها، إضافة إلى حالات الإعدام بالجملة التي يعمد التنظيم لارتكابها عقب سيطرته على المدن، بالرغم من كل الوعود والعهود التطمينية التي يطلقها للحفاظ على أرواح وممتلكات الأهالي لكنه سرعان ما ينكث بها وينقضها، ليرتكب مجازره بدعوى الردة وتحت شعار “جئناكم بالذبح” والشواهد على ذلك كثيرة ومنها قتل 1200 شاب من قبيلة البونمر على وجبات متعاقبة، ونحو 700 من شباب البوفهد، وأكثر من 500 شاب من قبيلة البوعلوان.

كل ذلك دفع الأهالي إلى عدم التفكير بالبقاء في أرض يحكمها مجموعة من مصاصي الدماء، وآثروا النزوح سيرا على الأقدام لعشرات الكيلو مترات نساءً وأطفالا وشيوخا وشبابًا إلى بغداد علّهم يجدون ملاذا آمنًا بالعاصمة.
ولم يخطر في بالهم أنهم وعند وصولهم إلى معبر جسر “بزيبز” المؤدي إلى بغداد، سيُمعنون من الدخول بحجج واهية تذرعت بها السلطات الأمنية، فتارة تقول لهم أنها تخشى من دخول مندسين من “داعش” بين جموع النازحين لزعزعة الأمن في بغداد، وتارة أخرى يطالبونهم بكفيل عن كل عائلة تدخل إلى العاصمة، بحسب ما يشاع في وسائل الإعلام، وهذه مبررات لصدهم عن الدخول إلى بغداد بأية طريقة كانت ولكن من يذهب إلى مكان الحدث يجد غير ذلك.

حقائق مروعة

يواجه النازحون قرب جسر “بزيبز” ظروفا إنسانية قاسية في العراء من دون خيم تقيهم لهيب صيف حار تجاوزت درجات الحرارة فيه الـ(45) درجة مئوية، مع انعدام الغذاء والماء إلا ما يدخل عن طريق بعض الجهات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميين الذين يزورون النازحين للاطلاع على أوضاعهم ونقل مأساتهم للعالم الخارجي، لأن الجهات الأمنية ترفض فتح باب الإغاثة وإيصال المساعدات لتلك العوائل.

بل ويصفون حميع النازحين بأنهم “دواعش”، تركوا مدنهم لعناصر التنظيم وجاؤوا لزعزعة الأمن في العاصمة بغداد، ولا تشفع كهولة الشيوخ ولا صرخات النساء ودموع الأطفال، بل أنهم يجابهون باعتداءات وشتائم واتهامات بانتمائهم لتنظيم “داعش”، وحتى من يريد أن يكفلهم من سكان العاصمة بغداد يبلغ بأنه سيبقى اليوم كله في العراء لحين وصول دوره في كفالة العائلة التي يروم كفالتها وسط تخويف من إيواء النازحين والمسؤولية التي تقع عليهم في حال حدوث أي خرق أمني ببغداد.

اغتيال واعتقال

يتعرض النازحون إلى ممارسات عدة تهدد وجودهم في العاصمة بغداد، فأي نازح يعمل في الأسواق العراقية والمطاعم الشعبية بالعاصمة بغداد لكسب قوت يومه فإنه معرض للاعتقال أو الاغتيال، وليس ببعيد عنا قتل ثلاثة نازحين من الأنبار في منطقة البياع جنوب العاصمة بغداد فيما قتلت عائلة بأكملها في منطقة أبو دشير جنوب العاصمة أيضا، وفي بعض المناطق تجري القوات الأمنية حملات دهم وتفتيش بحثا عن النازحين وكأنهم لاجئون في بلدان حليفة للأعداء، ومن يعثر عليه من الشباب النازح يتم اعتقاله، بذريعة الاستفسار عنه وإذا به يُودع في السجون ليقضي ما شاء الله له أن يقضي من حياته داخل السجن من دون أن يعرف بأي تهمة أو ذنب اعتقل، حتى يساوره الندم على يوم فكر فيه أن يترك العيش في جحيم يفرضه “داعش” على مدينته من سجن لا يعرف هل سيخرج منه ماشيا على قدميه أم محمولا على الأكتاف.

في كل البلدان عندما يقع أمر جلل في بعض المناطق التي تجرفها السيول والفيضانات أو الزلازل والبراكين وكذلك عند انتشار الأوبئة، فضلا عن الحروب، تتداعى الدولة وتسخر إمكاناتها وتستنفر كامل طاقاتها بما فيهم وحدات الجيش للنزول إلى الشوارع والأسهام في إنقاذ أرواح الناس لتقليل الخسائر البشرية قدر المستطاع لحين انفراج الأزمة، إلا في العراق

الجديد حيث العكس تماما، فبرغم كل ما يجري من قتل وتشريد بحق المواطنين الأبرياء، تجد الدولة تسخر ما عندها ليس لحماية المواطنين، وإنما لتزيد من معاناتهم وتكون سببا في إزهاق أرواحهم وهجرتهم من البلد، وما يجري اليوم عند جسر “بزيبز” شاهد على قتل بطيء يَطال الآلاف من البشر يرافقه صمت دولي مريب. فلو تكلم “بزيبز” لأبكى الصخر ولكنه لا يملك سوى ظهر يسخره للنازحين علَّهم يعبرون عليه إلى بر الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد