تكلموا تعرفوا...

دخيلة الإنسان خزائن من أسرار وخفايا على اختلاف أنماطها وأشكالها.. من عواطف وانفعالات وآمال وتطلعات وأحلام وأخيلة وأفكار تخفى على الناس ولا يعلمها ويدركها إلا هو.

ويظل كل ذلك حبيسًا في دواخله ما شاء الله أن يظل حبيسًا.. حتى إذا انبثقت منه فكرة، أو سلوك، قول يجري على لسانه وأمام الملأ، انكشف الغطاء ونضح الإناء بما يحويه، وأبان القول عن ذاتيته ليكشف عن عقلية متزنة خالصة يطبعها الذكاء والفهم السليم أو عن عقلية مضطربة هجينة تتسم بالبلادة والغباء والسذاجة.

ولقد أدرك الحكماء والمفكرون الأولون مدى أهمية أو خطورة الكلمة المنطوقة ووقعها على الحياة والناس، فقالوا: «الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر عن مكنونات السرائر.. لا يمكن استرجاع بوادره.. ولا يقدر على رد شوارده. فحق على العاقل أن يحترز من زلته بالإمساك عنه أو بالإقلال منه».

الكلام والصمت بين المدح والذم

يطالعنا التراث العربي بأقوال وحكم وأمثال عن الكلام والصمت مدحًا وذمًا.. وقد لاحظت من اطلاعي هذا أن الصمت أكثر مدحًا من الكلام.. وربما يكون ذلك لما في الكلام من تسرع وخشية الوقوع في الزلل، ولما يسببه من أضرار لا يحسب لها حساب.. بل جعلوا للصمت قيمة تساوي قيمة الذهب في مقابل الكلام الذي اعتبروه من فضة، فقالوا: «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب».

والحق أن هذه الحكمة قد تنقلب إلى نقيضها في بعض المواقف، حيث يوزن الكلام بقيمة الذهب والصمت بقيمة الفضة.. بل يتحول الصمت إلى عبء ثقيل على الناس، خاصة إن كان من ورائه ضرر مخبوء قد يصيبهم.. ولذلك قالوا: «الساكت عن الحق شيطان أخرس».

كما أن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب جمع بين سلبيات الكلام والصمت معا في بعض المواقف من خلال إحدى الحكم قائلًا: «لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل».

وعندما تضايق الفيلسوف سقراط من شاب يبالغ في إطالة السكوت، خاطبه قائلًا: «تكلم يا هذا حتى أراك!».. ومعنى الرؤية عنده هنا الرؤية العقلية أي المعرفة اليقينية لا الرؤية البصرية، أي تكلم حتى أعرفك.. إذ بالكلام تعرف مكنونات الإنسان.

غير أنه، وبالرغم من كل ذلك، فالصمت محمود، بل هو مطلوب في معظم الأحوال مخافة أن يكون للكلام وقع قد لا تحمد عقباه حتى إن حكيمًا حذر من خطورة ما يجري على الألسن من منطوق، حيث قال: «مقتل الرجل بين فكيه».

وقريب من هذا المعنى ما يُحكى عن أحد الحطابين أنه ذهب ليحطب في الغابة، وعند انتهائه من جلب الحطب، اتجه للسوق لبيعه؛ وفي طريقه إلى السوق جعل يحذر الناس مخافة أن تخدشهم أعواد الحطب؛ ومر من جانبه شاب كان يبدو متعجرفًا غير آبه فخدشه الحطب. استبدت به فورة غضب وقرر أن يرفع دعوى أمام القاضي. وفي المحكمة شرع في سرد وقائع الحدث. وعندما سأل القاضي الحطاب لماذا خدشه، لاذ بالصمت ولم ينطق بكلمة، ثم أعاد القاضي السؤال ولم يجب. قال القاضي للشاب: «سامحه فإنه أعجم». قال الشاب: «ليس أعجمًا يا سيدي، فقد سمعته ينادي ويحذر الناس من وخز الحطب». قال القاضي: «إذًا أنت لم تنتبه لتحذيره».. وانتهت الجلسة ببراءة الحطاب ومعاقبة الشاب.

فالصمت كما رأيت من خلال هذا الحدث كان منجاة للحطاب بفضل صمته الذي جعل الشاب يشهد على نفسه باللامبالاة وعدم الانصياع للتحذير.

تكلموا تعرفوا.

لقد كان القدماء من المفكرين والحكماء والفلاسفة أول من فطن إلى أن عقلية المرء وطبيعتها ومزاجها مخبوء وراء لسانه.. ولا يمكن سبر أغوارها ومعرفة كنهها إلا بالكلام المنطوق، وبالكلام تتأتى المعرفة.. قال علي بن أبي طالب في كتابه نهج البلاغة مشيرًا إلى هذا المعنى وملخصًا إياه في هذه الحكمة البليغة: «تكلموا تعرفوا… فإن المرء مخبوء تحت لسانه».

وإذا ما حاولنا أن نتصفح أخبار الأولين ونوادرهم في هذا الباب، ألفيناها شواهد جلية وقاطعة تدلل على صدق ما ذكرناه.

من ذلك ما رُوي عَنْ ابْنِ عَائِشَةَ أَنَّ شَابًّا كَانَ يُجَالِسُ الْأَحْنَفَ وَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْأَحْنَفَ.. فَخَلَتْ الْحَلْقَةُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: تَكَلَّمْ يَا ابْنَ أَخِي! فَقَالَ الشاب: يَا عَمِّ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَقَطَ مِنْ شُرَفِ هَذَا الْمَسْجِدِ هَلْ كَانَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ..؟ قَالَ الأحنف: يَا ابْنَ أَخِي لَيْتَنَا تَرَكْنَاك مَسْتُورًا.

ثُمَّ تَمَثَّلَ الْأَحْنَفُ بِقَوْلِ الْأَعْوَرِ الشَّنِّيّ:

وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَاحِبٍ لَك مُعْجِبٌ *** زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ

لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ *** فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ

ورُوي أيضا عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْفَقِيهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَجْلِسُ إلَيْهِ فَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ: أَلَا تَسْأَلُ؟ قَالَ الرجل: بَلَى.. مَتَى يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ قَالَ أبو يوسف: إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. قَالَ الرجل: فَإِنْ لَمْ تَغْرُبْ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ؟ فَتَبَسَّمَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَمَثَّلَ بِبَيْتِيِّ الْخَطَفِيِّ جَدِّ جَرِيرٍ:

عَجِبْتُ لِإِزْرَاءِ الْعَيِيِّ بِنَفْسِهِ *** وَصَمْتِ الَّذِي قَدْ كَانَ بِالْعِلْمِ أَعْلَمَا

وَفِي الصَّمْتِ سِتْرٌ لِلْغَبِيِّ وَإِنَّمَا *** صَحِيفَةُ لُبِّ الْمَرْءِ أَنْ يَتَكَلَّمَا

ومما يُحكى أيضًا عن أبي يوسف الفقيه أنه قال: كُنْتُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِي بِالْبَصْرَةِ وَأَنَا مُقْبِلٌ عَلَى تَدْرِيسِ أَصْحَابِي إذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مُسِنٌّ قَدْ نَاهَزَ الثَّمَانِينَ أَوْ جَاوَزَهَا.

فَقَالَ لِي: قَدْ قَصَدْتُك بِمَسْأَلَةٍ اخْتَرْتُك لَهَا. فَقُلْت: اسْأَلْ – عَافَاك اللَّهُ – وَظَنَنْتُهُ يَسْأَلُ عَنْ حَادِثٍ نَزَلَ بِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ نَجْمِ إبْلِيسَ، وَنَجْمِ آدَمَ، مَا هُوَ؟ فَإِنَّ هَذَيْنِ لِعِظَمِ شَأْنِهِمَا لَا يُسْأَلُ عَنْهُمَا إلَّا عُلَمَاءُ الدِّينِ.

فَعَجِبْتُ وَعَجِبَ مَنْ فِي مَجْلِسِي مِنْ سُؤَالِهِ وَبَدَرَ إلَيْهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ بِالْإِنْكَارِ وَالِاسْتِخْفَافِ فَكَفَفْتُهُمْ وَقُلْتُ: هَذَا لَا يَقْنَعُ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ إلَّا بِجَوَابٍ مِثْلِهِ.

فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: يَا هَذَا إنَّ الْمُنَجِّمِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ نُجُومَ النَّاسِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ مَوَالِيدِهِمْ فَإِنْ ظَفَرْتَ بِمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ فَاسْأَلْهُ. فَحِينَئِذٍ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا. ثُمَّ انْصَرَفَ مَسْرُورًا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ وَقَالَ: مَا وَجَدْت إلَى وَقْتِي هَذَا مَنْ يَعْرِفُ مَوْلِدَ هَذَيْنِ.

وفي زمننا هذا تطالعنا أمور عجاب في هذا الباب. فأنت قد ترى الرجل بمظهره المهيب وهيأته ووقاره الذي يبعث على التبجيل والتوقير، فإذا نطق سقط في عينيك.

كنت دائمًا أتضايق من مجالسة صديق وأحاديثه التي لا تكاد تنقطع.. وبالرغم مما كنت أقدمه له من نصائح في الكف عن المس بأعراض الناس بالتزام الصمت، ظل طبعه على ما هو عليه إلى أن نبذه الجميع وتفرقت بنا السبل.

بمجرد أن تنطلق من فيه عبارة حسبتها طلقة نارية.. فكان دائم الوشاية بأصدقائنا واغتيابهم والحطّ من مكانتهم بحديث السوء وما لا يليق.

من هنا أدركت وأدرك غيري بمجرد مجالسته لأول مرة أنها شخصية مريضة محتالة ومنافقة تسعى إلى الإيقاع بين الجميع، تنقل عنك وتنقل إليك ولا تأبه لأحد.

ومعنى كل هذا إن ما ينطق به اللسان يكشف عن طبيعة العقلية المتخفية وراءه.

يقول الرسول الكريم بهذا الصدد: «رحم الله من قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم».. وقال الإمام علي: «اللسان سَبُعٌ، إن خلي عنه عقر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد