هذا المقال يتناول، في إسقاطات وجيزة ومشاهد مركزة، شريحة معينة من البشر ربما لا يهتم بها كثيرون، أو يلحظوا وجودها أصلًا، هذا المقال لا يهدف إلى طرح الموضوع أو ننشر الثقافة به وفقط، بل يهدف بالأساس إلى محاولة إيجاد حلولاُ وبدائل، في محاولة للفت الأنظار إلى ذلك الباب المهجور من أبواب فعل الخير، هذا المقال نداء استغاثة، ودعوة للتجمع وتقديم يد المساعدة، هذ المقال نتاج تجارب شخصية وزيارات تطوعية لعدد من الأماكن التي تعتني بهم وتؤويهم، كما أنه نتاج تجارب حياتية زمانية ومكانية، والأهم أنه نتاج إدراك لمدى فداحة الوضع وحجم تقصيرنا فيه وإهمالنا له، عن «المعاقين ذهنيًا في مصر»، إلى كل من يهمه الأمر.

عندما تنظر لأحدهم، فأنت تنظر للإنسان في صورته الأصلية البدائية الأولية الخام! براءة، نقاء، وحدة وألم، وربما أشياء أخرى، لا يهم، فليست تلك الأشياء الموجودة هي التي تجعلهم كذلك، بل الأشياء المفقودة، التي نمتلكها نحن ولا يمتلكونها هم، فهم لم يفقدوا فقط القدرة على الفهم أو الاستيعاب؛ لم يفقدوا فقط القدرة على التفاعل والتكلم وخوض الأحاديث؛ بل فقدوا أيضًا بين ما فقدوا القدرة على الاصطناع، القدرة على تلبس الأقنعة، القدرة على التلون، الكذب، المراوغة، الادعاء، الطمع، الجشع.

أولئك وبصرف النظر عن تسميتنا لهم بالـ«معاقين» إلا أنهم مجرد مرآة لما نقص فينا نحن من إنسانية، هم انعكاس لما فعلنا نحن «الأسوياء» بالجنس البشري، وللتشويه الذي أحدثناه إشباعًا لرغباتنا وأطماعنا في تعريف كلمة إنسان، لكي نحظى بالحسنيين، أنا إنسان طبيعي سوي، ولكنني في الوقت ذاته واللحظة نفسها على أتم استعداد للتخلي عن أحد المبادئ الإنسانية الأساسية لتطويع الموقف لمصلحتي.

هؤلاء علموني -أنا البالغ من العمر 27 عامًا- ماذا تعني الإنسانية وكيف يكون الإنسان، أقصد كل حرف في كلمة «علموني»، أدين بفضل أشياء كثر لهم، أستلهم من وجوههم عشرات المعاني والعظات، التي نسيناها جميعًا في خضم اختلاطنا بعضنا ببعض، نحن من نُعرف بـ«الأسوياء».

لسبب ما لا أفهمه، أغلب مراكز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر لا تطمئن لفكرة التطوع، لا أعرف سببًا واضحًا لذلك وعليه فأنا مضطر لوضع بعض الفرضيات:

– الافتراض حسن النية أنهم لا يريدون من يتدخل في عملهم، بمعنى أنهم يعرفون الطبيعة الخاصة لنزلائهم وطرق التعامل معهم، ولا يريدون هاوٍ أو مجرب، ربما يخافون أيضًا من الأثر النفسي السلبي الذي من الممكن أن يقع على النزلاء في حالة غياب زائر متطوع أحبوه واعتادوا وجوده.

– الافتراض سيئ النية أنهم لا يريدون أي شكل من أشكال «وجع الدماغ»؛ لا يريدون أي نوع من الرقابة أو عيون الغرباء داخل المكان، يجدر بنا أن نقول هنا أن رقابة مؤسسات الدولة شبه معدومة.

– هناك أماكن تقبل المتطوعين بكل ترحاب، وأماكن أخرى حذرة جدًا في التعامل معهم، يطرحون عليك عشرات من الأسئلة قبل أن يقبلوك، وهناك أماكن أخرى لا تقبل التعامل مع متطوعين بأي شكل.

فيما يلي، 7 قصص قصيرة جدًا مختارة بعناية من واقع حياة المعاقين ذهنيًا، القصص السبع الآتية جميعها واقعي وحقيقي 100%، ولم يتم إضافة أو حذف شيء من تفاصيلها، لم تتدخل حرفة الكاتب في تحوير أي منها؛ اللهم إلا بعض الصياغة في محاولة لترتيب المشهد وتوصيل المعنى من وراء كل قصة.

1 2 3 5

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد