“بطبيعة الحال، بسبب إعاقتي، أحتاج للمساعدة. ولكنني دومًا أحاول التغلّب على قصور حالتي، وعَيش حياة حافلة قدر الإمكان؛ فقد سافرت حول العالم من قارة أنتاراكتيكا وحتى مناطق انعدام الجاذبية”.

-عالم الفيزياء النابغة ستيفن هوكينج

إذا لم تَكن تَعرف أحدًا في نطاق الأسرة الضيق يعاني من بعض صنوف الإعاقة، فحتمًا تَعرف أحدًا من هؤلاء من ذوي الاحتياجات الخاصة في نطاق الأصدقاء والمعارف. وإذا كُنت لا تَعرف أحدًا من هؤلاء في نطاق الأسرة أو الأصدقاء أو المعارف، فيكيفيك أن تسير في شوارع المحروسة، لتَرى بنفسك هذا الكمّ الكبير من البشر الذي يعاني من بعض حالات الإعاقة سواء كانت سمعية أو بصرية أو عقلية أو جسدية وغيره.

ووفقًا لأحدث تقارير منظمة الصحة العالمية WHO، فإن هناك ما يزيد عن مليار شخص حول العالم يعانون من شكل من أشكال الإعاقة، وهو ما يعني أن 15 بالمئة من سكان العالم من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويزداد معدّل الإعاقة بشكل متسارع، ويرجع السبب في ذلك جزئيًا إلى شيخوخة السكان، وارتفاع الأوضاع الصحية المزمنة.

في أمريكا والدول المتقدمة، يعرفون جيدًا معنى أن يكون شخص مولودًا بمتلازمة داون أو بشكل من أشكال الإعاقة الذهنية أو السمعية أو البصرية أو الجسدية أو يعاني من صعوبات في النطق أو التلعثم أو التكلّم، ووجدوا أن الشفقة وحدها على هؤلاء البشر الطبيعيين جدًا لا ولن تَكفي، وتجاوزوا في مساعدتهم للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مرحلة تقديم الرعاية الصحية المتكاملة لهم، إلى كيفية دَمجهم مع المجتمع.

 

ففي دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، تنصّ قوانينه على توفير فرص العمل المتكافئة للأشخاص ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة، حتى أن سُدس القوى العاملة في دول الاتحاد الأوروبي مخصّصة لهم. وفوق هذا وذاك، يُتاح لهؤلاء الأشخاص فرص الوصول والاستفادة من التعليم الجيد حتى يتمكنوا من تحسين مستويات حياتهم، حتى أنه هناك ما يُسمى بـ “الوكالة الأوروبية لتطوير تعليم الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة”، بغرض توفير تعليم مميّز وتدريب راقٍ لا يقل جودة عما يُقدّم للأشخاص الأصحاء كليًا.

 

والأنكى من هذا، هناك برنامج بدول الاتحاد الأوروبي مَعني بتقديم هؤلاء الأشخاص للخيارات الفردية نفسها ومستويات التحكّم بالحياة اليومية، مثلهم مثل الأشخاص الأصحاء، ليعيشوا باستقلالية كاملة لا ينقصهم شيء.

وإذا ما نَقلنا الصورة نفسها إلى “الكوكب المصري الشقيق”، أو الحالة المصرية المتفرّدة، فسنجد عَجب العُجاب. لن تتوقف أساطير المجتمع المصري التي تتفوّق على “أساطير تشيما” – ذلك الكارتون الشهير الذي ستجد طفلك الذي يملك ستة أعوام حتمًا يُشاهده على قناة كارتون نتوورك المخصّصة للأطفال – عند مجرد تجنّب هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة وكأنهم مَرضى بالجُذام أو محاولة النيل منهم بالسخرية والتندّر، فجميعنا نعرف إلى أي مدى قد تَصل روح الدعابة لدى المصريين، ولكن ستمتد إلى تجاهل الدولة نفسها ومؤسّساتها وإعلامها لهؤلاء “المتخلّفين عقليًا” أو “المشلولين” أو “العُمي” أو “الطُرش”؛ فهكذا يُحب المصريون التبسّط في وَصف الأشياء بمسمياتها الطبيعية!

منذ أيام قليلة، تفرّد المجتمع المصري “الأصيل” متمثّلاً في حكومته الغراء، بعَرض حالة فريدة: الدكتور حسام المساح، أمين عام المجلس القومي لشؤون الإعاقة – نعم أنا لم أُخطئ في وصف لقبه الوظيفي، هي شؤون الإعاقة وليست شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة مثلاً، فحتى الحُكومة تحب التبسّط في وَصف الأشياء – يَجهش في البكاء في أحد البرامج التلفزيونية على قناة المحور بسبب إهانة وزيرة التضامن الاجتماعى غادة والي له، من خلال مداخلة هاتفية للأخيرة حاولت فيها التعقيب على غضب “المساح” من قرار رئيس مجلس الوزراء الجديد الذي يقضي بنقل تبعية “المجلس القومي لشؤون الإعاقة” إلى وزارة التضامن بدلاً من تبعيته لمجلس الوزراء دون مشاورة “المساح”.

غَضب “المساح” من وزيرة التضامن الاجتماعي لأن الأخيرة طلبت من مقدمة البرنامج أن توضّح لها ما يقوله “المساح” الذي يعاني من صعوبات في النطق، وانفجر قائلاً: “أرجو من الله أن تفهمنى الدكتور غادة والى وزيرة التضامن لأننى معاق .. إن كانت لا تفهمنى فكيف لها أن تفهم 13 مليون معاقًا”.

تعلّلت الوزيرة بأن هناك مشاكل في تغطية شبكة الهاتف المحمول لها، لذا لم تَسمع جيدًا كلام “المساح”، لكنه ردّ عليها بقوله: كيف تسمع إذًا كلام مقدمة البرنامج بكل وضوح، ولا تسمع كلامه هو تحديدًا!

عدم كياسة وزيرة التضامن الاجتماعي مع الموقف لَم ولَن تَكون الأخيرة تجاه موقف الحكومة لهؤلاء “المعاقين” – وفقًا لوجه النظر الحكومية المميّزة – فقد يَظن البعض أن ردّ فعل “المساح” مبالغ فيه جدًا، لاسيما وأن العديد منا قد يقع في الأمر نفسه، وأن موضوع استقالته من منصبه ما هو إلا “شو إعلامي” لاكتساب تعاطف المشاهدين مع حالته التي هي في الأساس سياسية؛ فهو يُريد جعل المجلس القومي لشؤون الإعاقة تابعًا لمجلس الوزراء وليس لوزارة التضامن الاجتماعي، وبالتالي سيستغل كافة الإمكانات المتاحة لذلك.

ولكن، بنظرة أعمق، قد يَرى البعض الآخر أن حالة الغضب العارمة لـ “المساح” إنما مردّها حالة التجاهل التام على مدار عقود طويلة لحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، في الجامعات الحكومية مثلاً لا يتم قبول الأشخاص الذين يعانون من الصم والبكم بها، كما أن العديد من المعاهد الخاصة لا تقبلهم أيضًا رغم غلو مصاريفها، بل والأدهى من هذا، أن أصحاب الإعاقات السمعية يضّطرون إلى الالتحاق بالمدارس الفنية، لعدم وجود قانون يسمح لهم بالالتحاق بالثانوية العامة وبالتالي استحالة استكمال تعليمهم الجامعي!

وقبل أيام قليلة كذلك، احتفلت الحكومة متمثّلة في محافظ القاهرة باستقدام 10 باصات للنقل العام مخصّصة لذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب الإعاقات الجسدية، وحاول الاحتفاء الإعلامي بهذه الخطوة أن يُظهر للقاصي والداني أن مشكلة ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر اختفت تمامًا؛ فها هي 10 باصات مخصّصة لما يقرب من 13 مليون معاق في مصر، فصمتًا أرجوكم أيتها الأقلام الناقدة لأن الحكومة تعمل في صمت على رفاهية الشعب المصري!

بطبيعة الحال، أنا لا أحاول التقليل من هذه الخطوة، فهي تُبيّن اهتمامًا ولو بسيطًا للغاية لهؤلاء الفئة المهمّشة في المجتمع المصري، ولكن المبالغة في تضخيم هذه الخطوة يَضر أكثر مما يَنفع؛ لأن مشكلة الأشخاص الذين يعانون من أشكال مختلفة من أشكال الإعاقة في مصر، مشكلة متجذّرة وستأخذ عقودًا لحلها، وتتطلّب ليس فقط جهودًا حكومية، ولكن جهودًا فردية من الأشخاص الأصحاء أيضًا. وفي هذا السياق، يجب جميعًا أن نَعي أن جميعنا بشكل أو بآخر معاقون، حتى الأصحاء منا، وتتنوّع أشكال الإعاقة فمنا المعاق بتفكيره الضحل، ومنا المعاق بسلبيته، ومنا المعاق بكسله عن العمل رغم صحته الوافرة، وغيرها.

ويَكفي أن نَعرف أن أشخاصًا مثل “تيمبل جراندين” التي تعاني من مرض التوحّد ورغم ذلك صارت أستاذة في علم الحيوان في جامعة كولورادو وصُنّفت ضمن أكثر 100 شخصًا مؤثّرًا في العالم وفقًا لقائمة مجلة التايم لعام 2010، وأيضًا ستيفن هوكينج الذي يُعد أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم رغم كونه مصابًا بمرض التصلّب الجانبي العصبي منذ شبابه ما جعله قعيدًا تمامًا وغير قادر على الحركة، وغيرهما لم يَكن مقدّرًا له التفوّق لولا أن تكاتف معهم أفراد المجتمع، ونجحوا في تغيير الصورة النمطية تجاه الـ 15 في المئة من سكان العالم الذين يعانون من صنوف الإعاقة المختلفة، لذا باتت المجتمعات المتقدّمة تنظر إليهم على أنهم “مختلفين، ولكن ليسوا أقلاً من الأصحاء”!

ولكن، في الحالة المصرية الصميمة، لم يَكفِ إصرار وتفوّق د. “المساح” مثلاً وحصوله على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ثم الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة عين شمس، قبل حصوله على ماجستير القانون من معهد الأعمال الدولي بباريس، ثم دبلومة بأكاديمية القانون الدولي في لاهاي، فلازال المجتمع والحكومة يَرانه “معاقًا” لا يعرف النطق السليم، ويحتاج لـ “مترجم” كي تستطيع وزيرة التضامن الاجتماعي التي لم تحصل على درجة الدكتوراه من الأساس، وإنما فقط على ماجستير الآداب والإنسانيات من جامعة كولورادو الأمريكية، وفقًا لصفحتها الشخصية على موسوعة ويكيبيديا، فهمه جيدًا!

باختصار، إذا كُنت من ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر، إذًا فأنت غير موجود، مع الاعتذار لديكارت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد