تاريخ النسبية وأهم نتائج نسبية آسنشتاين الخاصة

لا تقلب الصفحة حتى تقرأ هذا المقال!

رمزي، مريم، وحسام، رمزي أطول من مريم، ومريم أطول من حسام! إذًا مريم قصيرة بالنسبة لرمزي، ولكن مريم طويلة بالنسبة لحسـام.

لكن هل يمكن أن نجزم بأن مريم طويلة أم قصيرة؟ جواب هذا السؤال بسيط للغاية وهو «لا» طبعًا لا يمكننا الجزم بأن مريم طويلة أو قصيرة، فحسب نظرة رمزي فإن مريم قصيرة، أما حسام فيراها طويلة، وبالتالي فإن طول مريم يبقى نسبيًا، أي حسب المرجع الذي نتخذه، أي حسب الشخص الذي نسند إليه مهمة القياس.. ببساطة هذه هي النسبية.

دعونا نسافر قليلًا عبر الزمن، ولنعد بالضبط للقرنين السادس عشر والسابع عشر ميلادي، كان هناك في إيطاليا شاب اسمه غاليليو غاليلي، كان مولعًا بالرياضيات، وبارعًا فيها، في سنة 1632 للميلاد قدم غاليليو تجربة ذهنية في كتابه «حوارات بشأن نظامَيْ العالم الرئيسين»، كان لها فضل كبير على آلبرت آينشتاين. لنعد هذه التجربة حسب تصورنا دون أن ننقض من مبدأها شيئًا! تخيل أنك تقف في محطة القطار، بينما صديقنا غاليليو يقف وسط القطار، وهذا القطار يتحرك بسرعة ثابتة ويمسك بيده كرة، فيحرر صديقنا غاليليو الكرة من يده، طبعًا ستسقط هذه الكرة نحو الأسفل فهذا أمر بديهي، لكن – و(لكن) هذه كبيرة جدًا جدًا – كيف ستسقط الكرة، هل ستسقط في مسار رأسي، أم وفق مسار مائل؟

في واقع الأمر، الكرة ستسلك المسارين كليهما! لكن كيف ذلك؟

بالنسبة لصديقنا غاليليو الموجود داخل القطار، فإن الكرة ستسلك مسارا رأسيًا خلال مدة زمنية محددة، أما بالنسبة لك فأنت يا صديقي الواقف في محطة القطار ستظهر لك الكرة وهي تسقط وفق مسار مائل وخلال نفس المدة الزمنية! إذًا فطبيعة المسار الذي تسلكه الكرة أثناء سقوطها يبقى نسبيًا وليس مطلقًا، فلا يمكن أن نجزم بأن المسار رأسي أو مائل، فلكل إطار مرجعي قياسه، فمسار الكرة وبكل بساطة نسبي.

بالنسبة لغاليليو وبافتراض أن القطار يتحرك بسرعة ثابتة ولا يصدر صوتا ولا اهتزازات أثناء حركته ولا توجد به نوافذ، فإن غاليليو ومن معه وسط القطار سوف لن يحسوا بحركته، وبالتالي فهم لا يستطيعون أن يعرفوا ما إذا كانوا في حركة أم في سكون، وعليه فإن الكرة التي سيطلقها غاليليو ستسقط بشكل رأسي بالنسبة له كما لو أن غاليليو أطلقها وهو في منزله أو كما لو أنه أجرى التجربة والقطار متوقف، وستستغرق نفس المدة الزمنية من نفس الارتفاع، وبالتالي فإن نتائج هذه التجربة ستكون نفسها بالنسبة لغاليليو، سواء كان داخل عربة قطار يتحرك بسرعة ثابتة أو كان في منزله. ومن هنا استنتج غاليليو أن قوانين الميكانيك هي ثابتة بغض النظر عن الإطار المرجعي الذي تجري فيه هذه التجارب، وأن الأرض وإن كانت تدور حول الشمس فإن ذلك لن يتعارض مع إدراكنا للعالم من حولنا، ولن يؤثر في نتائج تجارب الميكانيك التي نقوم بها، وأنه ليس من الضروري أن تكون الأرض مركز الكون وساكنة حتى لا نتأثر بحركتها.

بعد ذلك بسنوات، وابتداء من العام 1861 للميلاد، بدأ عالم اسمه جيمس كلارك ماكسويل بنشر أبحاث حول ظواهر الكهرومغناطيسية تخللها توصله لـ20 معادلة تحتوي 20 متغيرًا عدلها وأعاد صياغتها فيزيائي آخر اسمه أوليفر هيفسايد، ولخصها في أربع معادلات فقط أطلق عليها اسم معادلات ماكسويل. كان من أهم نتائج هذه المعادلات أن الضوء عبارة عن موجة كهرمغناطيسية.

كان السائد آنذاك أن انتشار الموجات يتطلب وسطًا ماديًا، فمثلًا الصوت عبارة عن موجة تنتشر في الهواء أو الماء أو الحديد.. ولكن الصوت لا ينتشر في الفراغ، وبالتالي فكون الضوء عبارة عن موجة كهرمغناطيسية فلا بد له من وسط ينتشر فيه! فحسب رأيهم فإن الضوء لا يمكنه أن ينتقل من الشمس إلى الأرض وسط الفراغ. هنا افترض العلماء بأن هناك وسطًا يملأ الكون، لا لون، ولا وزن له، ولا نشعر به، أطلقوا عليه اسم الأثير، تنتشر خلاله الموجات الكهرمغناطيسية واعتبروا أن الأثير ساكن سكونًا مطلقًا، وأن الأرض وباقي النجوم والكواكب تتحرك خلاله أي أنه مرجع مطلق، وليس نسبيًا، وهذا يناقض مبدأ النسبية، فبوجود مرجع ساكن سكونًا مطلقًا، فلن تكون هناك حركة نسبية.

لم تخلق معادلات ماكسويل هذه المشكلة فقط، بل تعدتها لمشكل آخر وهو أنه عندما يتم تطبيق تحويلات غاليليو عليها، فإن سرعة الضوء تكون متغيرًا مما يعني أن سرعة الضوء هي الأخرى نسبية كباقي السرعات، إلا أن التجارب العلمية أثبتت بالملموس أن سرعة الضوء ثابتة لا تتغير مهما اختلف نظام الرصد!

بالعودة للأثير وللاعتقاد الذي كان سائدًا بأن الأثير مرجع مطلق، فكان لا بد من قياس سرعة الأرض بالنسبة للأثير، وهنا قام العالمان آلبرت ميكيلسون وإدوارد مورلي سنة 1887 بتجربة شهيرة في محاولة منهما لحساب سرعة الكرة الأرضية بالنسبة للأثير، فكانت نتائج هذه التجربة سلبية، وأثبتت أن الأرض لا تتحرك بالنسبة للأثير. لكن علماء آنذاك أبوا أن يتخلوا عن فكرة وجود الأثير، فافترض الفيزيائي الهولندي هندريك أنطون لورنتز بأن الأثير يؤثر في المادة بطريقة معقدة، وشرع العلماء في البحث عن تفسير لكيفية انتشار الضوء على ضوء فرضية الأثير.

بقي الحال هكذا إلى أن جاء شاب لم يكن معروفًا في الأوساط العلمية آنذاك اسمه آلبرت آينشتاين، فصاغ سنة 1905 نظرية أطلق عليها اسم النظرية النسبية الخاصة. آينشتاين لم يحب تعقيد الأمور، ونظر إلى الأمور ببساطة منقطعة النظير آنذاك، حتى أن البعض استهزأوا بما أتى به هذا الرجل.

رأى آينشتاين أنه لا حاجة لوجود وسط تنتشر خلاله الموجات الكهرمغناطيسية، وأقر بأن الموجات الكهرمغناطيسية تستطيع الانتشار في الفراغ، وقد بنى آينشتاين نظريته على مبدأين أساسيين وهما:

سرعة الضوء ثابتة بالنسبة لجميع هياكل الإسناد القصورية.

قوانين الفيزياء هي نفسها في جميع هياكل الإسناد القصورية.

يظهر جليًا وللوهلة الأولى أن هذين المبدأين بديهيين وبسيطين للغاية، إلا أن النتائج التي أسفرت عنها النظرية النسبية الخاصة غيرت كثيرًا من فهمنا وإدراكنا للكون، بل غيرت أمورًا كنا نعتقد أنها مسلم بها ومطلقة، وكان من أول نتائج، أن جاءت بتحويلات جديدة للحركة النسبية بدل تحويلات غاليليو، أطلق عليها اسم تحويلات لورنتز، والمثير في هذه التحويلات أنه يمكن تطبيقها على قوانين الميكانيك كما على قوانين الإلكتروديناميك وباقي قوانين الطبيعة باختلافها. وكانت النتائج التي جاءت بها النسبية الخاصة كما يلي:

ظاهرة تمدد الزمن: الزمن نسبي وليس مطلقًا، فالزمن يتباطأ ويتمدد بدلالة السرعة! فكلما زادت سرعتك تباطأ الزمن بالنسبة إليك أكثر فأكثر، وإذا بلغتَ سرعة الضوء فإن الزمن سيتوقف بالنسبة لك. كما أنه لا يمكن لا معنى للآنية، فلا يمكن لحدثين أن يحدثا في آن واحد أي في الزمن نفسه أو بالأحرى فلا يمكن لحدثين أن يكونا متزامنين.

ظاهرة انكماش الطول: حيث إن الطول هو الآخر نسبي، وليس مطلقًا، إذ إن الطول ينكمش بدلالة السرعة، فكلما زادت سرعة الشيء نقص طوله، إلى أن ينعدم إذا بلغ سرعة الضوء. كما أنه لا يمكن لحادثين أن يحدثا في نفس الموضع، أي أنه لا يمكن لحدثين أن يكونا متموضعين.

لكن الغريب في الأمر وعلى عكس ما استنتجناه من خلال النتيجتين السابقتين فإنه يمكن لحدثين أن يكونا منطبقين أي أنهما حدثا في الزمان والمكان نفسه.

قانون تحويل السرعات: بالنسبة للسرعات الكلاسيكية (أصغر بكثير من سرعة الضوء) فإن هذا القانون يؤول لقانون تحويل السرعات في نسبية غاليلي، ومن غرائبه أن إضافة سرعة الضوء إلى نفسها ستنتج عنه سرعة الضوء! أي أن سرعة الضوء ثابتة لا تتغير.

تغير الكتلة: وهذه هي الأخر من أغرب النتائج، حيث أن الكتلة مقدار نسبي وليس مطلقًا، إذ إن الكتلة هي الأخرى تتغير بدلالة السرعة، إذ إنه كلما زادت سرعة الشيء زادت كتلته.

علاقة التكافؤ كتلة – طاقة E= mc²: وأعتقد أنها أشهر معادلة وضعها آينشتاين حيث ان جميع المهتمين بالميدان العلمي لا بد وأنهم رأوا هذه المعادلة من قبل. فهذه المعادلة هي أساس الطاقة النووية، فهذه المعادلة تكافئ بين الطاقة والكتلة، وتجعل منهما وجهان لعملة واحدة. فالطاقة تعني الكتلة، والكتلة تعني الطاقة، وتنص هذه المعادلة أنه لبلوغ سرعة الضوء فإن الأمر يتطلب طاقة لا نهائية. وحيث إنه إذا وصلت سرعة شيء ما لسرعة الضوء، فإن كتلته ستنعدم، وبالتالي سيتحول من مادة إلى طاقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد