يلاحظ الجزائريون في السنوات الأخيرة الإنتشار الرهيب لمدارس ومعاهد التكوين الخاصة باختلاف ما تقدمه من دورات وشهادات، حيث لا يكاد يخلو شارع من أحد هاته المراكز التي تتعدد دوراتها التعليمية بين المهن والحرف اليدوية والإعلام والتجارة وغيرها من التخصصات التي كانت منذ زمن ليس ببعيد حكرًا على المؤسسات التابعة لوزارتي التعليم العالي والتكوين المهني.

خلال استطلاعي لآراء بعض رواد المدارس والمراكز الخاصة، اتضح لي السر وراء الإقبال الكبير والمتزايد عليها خاصة لدى فئة الشباب من خريجين جدد وممن لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم الأكاديمي، حيث أجمع خريجو الجامعات ممن التقيتهم على ضرورة مواصلة مسار تعليمي تكميلي بها نظرا لمستوى وجودة التعليم في الجزائر، وهو ما دفعهم حسبهم لإتمام دورات تكوينية للإلمام أكثر في تخصصاتهم كالإعلام والتجارة والتسيير على سبيل المثال.

فئة أخرى من الشباب ممن لم يتموا تعليمهم أوضحوا عن مدى رضاهم عما تقدمه المدارس الخاصة مقارنة بمراكز التكوين المهني الوطنية والتي تضع شروطا كالسن والمستوى الدراسي، ناهيك عن طول فترة التكوين والتربص ومحدودية التخصصات بها مقارنة بالمراكز والمدارس الخاصة التي تفتح أبوابها لهم دون تعقيدات وتتيح لهم إتمام دورات تكوينية في أوقات قياسية.

من جهة أخرى، يبدي البعض عدم رضاهم عما تقدمه المدارس ومراكز التكوين الخاصة، لتتلخص الأسباب حسبهم في مدى مصداقية الشهادات المسلمة من طرفها والتي تعتبر شهادات تأهيلية لا علاقة لها بوزارة التعليم العالي، ولا التكوين المهني؛ مما يجعلها غير معتمدة لدى الوظيف العمومي، وبالتالي مجرد إهدار للوقت والمال، ووجه آخر من أوجه الاحتيال المقنن، بالإضافة لقصر فترة التكوين؛ مما يطرح تساؤلات عدة ليبقى السؤال المشترك بين هولاء: هل يعقل تلخيص مقررات ومساقات سنوات من الدراسة الجامعية في دورة تكوينية لأسبوع أو أقل؟!

البعض الآخر ممن يتابعون الموضوع ورواد شبكة الإنترنت يرون أن البديل الأمثل لهذا النوع من التعليم والتكوين يكمن في الشبكة العنكبوتية، حيث يشتد التنافس بين مواقع عالمية في تقديم مواد تعليمية ودورات تكون في الغالب مجانية أو معقولة الثمن مقارنة بجودتها، وذلك بالتعاون مع أعرق الجامعات في العالم وبلغات عديدة عبر النت عوض إهدار الوقت والجهد والمال في دورات تكوينية لا تسمن ولا تغني من جوع.

في نفس السياق، حاولت التواصل مع بعض مسيري المدارس للوصول لأكبر قدر من المعلومات حولها، ومما لفت انتباهي طرق الترويج لدوراتها على الشبكة العنكبوتية والقنوات التلفزيونية والجرائد، فبينما يلجأ البعض للاستعانة بخبراء وأساتذة وحتى إعلاميين مشهورين لتقديم الدورة، يرى البعض في توفير خدمات كالإقامة وتوفير تربصات تطبيقية أو نقل محل الدورة لبلدان أجنبية وجعلها دراسة وسياحة حلًا أفضل للترويج لها واستقطاب أكبر عدد ممكن من الراغبين في التكوين، ليبقى تأكيدهم على اعتماد مؤسساتهم من طرف الدولة أمرًا مشتركًا بينهم، لكن اتضح لي فيما بعد أن مسألة الاعتماد هي أكبر المشاكل المطروحة، فالاعتماد المسلم لهذا النوع من المؤسسات يخول لها تقديم دروس خصوصية أو دورات تكوينية ولا علاقة له باعتماد الشهادات المسلمة من طرفها، سواء من وزارتي التعليم العالي والتكوين المهني واللتين تحددان شروطًا يجب استيفاؤها لتسليم شهادات من هذا النوع من مدارس، خاصة أو من الوظيف العمومي ووكالات تسيير القروض، ليقع طلاب المراكز الخاصة ضحية نصب المدارس في أغلب الأحيان.

رغم الجدل القائم حول موضوع المدارس ومراكز التكوين الخاصة، تبقى هذه الأخيرة تحتل مكانًا هامًا في المجال، وتستقطب السواد الأعظم من الباحثين عن تكوين، أو شهادة لدعم سيرتهم الذاتية، أو مهنة للتكسب منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد