القارئ في بدايته يتنوع في القراءة بمختلف الحقول، فتراه يقرأ أي كتاب يقع تحت يده، ثم بعد باع طويل من القراءة يختار مجالًا واحدًا يختص به، وهؤلاء قلة يتخصص بعضهم إما للدراسة أو طبيعة العمل، أو هوايته ورغبته تملي عليه ذلك، وهذا يعني التزام القارئ حقلًا واحدًا من حقول الكتب المتنوعة، على سبيل المثال قارئ التاريخ لا يقرأ إلا في كتب التاريخ، وكذلك بالنسبة لقارئ الاقتصاد وعلم النفس وهكذا.

القراءة المتخصصة هي الخطوة الثانية التي تأتي بعد شوط طويل من القراءة المتنوعة، وقد يدخل بها القارئ مباشرة، وهي تفوق القراءة متنوعة من حيث التمكن وأخذ معلومات أعمق وأدق وأكثر شمولًا، وتمنح صاحبها الثقة والرسوخ والقدرة على النقاش والمبارزة بحسب المرحلة التي وصل إليها.

حتى تتخصص اقرأ ثلاثة كتب – في الحقل الذي تخصصت به – إلى كتاب واحد من مجال مختلف، ولا أخفيك سرًّا عن الجهد والعبء الذي يثقل كاهلك إذا اخترت التخصص، حيث تصبح انتقائيًّا في الكتب التي تقرأها، وفي مرحلة متقدمة ستحفظ أسماء المؤلفين وتختار لأحدهم دون غيره، وستجد تضاربًا بين المؤلفين في المجال نفسه، فمثلًا تقرأ قصة ما بروايات مختلفة، أحد الرواة يمدح وآخر يذم.

ثم يصبح لديك خبرة بدور النشر التي تقرأ إصداراتها، وتعرف تفاصيل المعلومة بطريقة تميزك عن غيرك، وتبدأ بعد ذلك بصناعة وجهة نظر خاصة بك وتختار من المؤلفات من يقنعك ويدعم وجهة نظرك، وتفند وتدحض وتثبت وتؤكد وجهة نظر أو معلومة تستميلك دون غيرها، بعدها تصل لمرحلة النقد وتصبح قراءتك مساهمة تثري الكتاب، وإذا وجدت طريقة لإيصالها للكاتب أو دار النشر تصبح مشاركًا أساسيًّا في صناعة المعلومة، في مرحلة متطورة قد تصنع كتابًا خاصًّا بك يحمل وجهات نظرك وأراءك وتصبح مؤلفًا في هذا المجال الذي تختصصت في قراءاته من البداية.

تعتمد القراءة المتخصصة على طبيعة القارئ نفسه؛ فالقارئ الهاوي يختلف عن الناقد والقارئ المحلل والطالب…. إلخ، فكل منهم له هدف يسعى إليه أثناء تجواله في الكتب، ينبثق من ذلك تنوع طبيعة القراءة حيث يتفاعل نوع القارئ مع طبيعة قراءته لينتج في النهاية معلومة تثري القارئ ومجتمعه، ينعكس ذلك على تطور الثقافة المجتمعية وازدهار الإبداع فيها.

القراءة المتخصصة أنواع، فمنها القراءة الصامتة وتكون بالعينين، والقراءة الجهرية حيث يسمع صوت القارئ، والقراءة السريعة الأولية التي عادة ما تكون لأخذ الفكرة الأساسية، والقراءة المتأنية حيث تكون غالبًا هي القراءة الثانية، وتكون أعمق من القراءة السريعة، والقراءة التحليلية وهي التي تكون بعد القراءة العميقة المتأنية وهي الخطوة الأولى في القراءة الناقدة التي تسهم في تطور المعلومة ودعمها أو نفيها أو الإضافة إليها، وكل هذه القراءات لها خاصية تتميز بها عن الأخرى يختار القارئ أيًّا منها بحسب هدفه وأسلوبه، المهم أن يحدث التفاعل الكيميائي الرائع بين القارئ والكتاب في الحقل الذي تخصص به لينتج مركبًا ثقافيًّا مميزًا يضيف نكهة خاصة به.

أخيرًا إذا لم تتخصص في القراءة بعد هل تنوي ذلك؟ وإذا كنت متخصصًا هل وجدت ما قرأته في المقال؟

قد تكون لم تخصص بعد ولكنك تنوي التخصص، وأعتقد أنك ما زلت محتارًا في المجال الذي ستتخصص به ونوع القراءة الذي ستختاره، وإذا ما بدأت في حقل ما قد لا تستمر فيه، أحدهم قد تخصص مدة طويلة في حقل الروايات والتجارب الإنسانية ولكنه قرر التوقف والتحول إلى حقل آخر، إنها مغامرة ثقافية لها مميزاتها، جربها ولا تحرم نفسك من الاستمتاع بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد