دومًا ما نقف حائرين. يجذبنا خيار فيجتذبنا آخر. وحينًا نختار وحينًا نزحزح الأمر بكلمة ساخطين متعبين. ولكن حين نقع في خطب متكرر يلزمنا فيه الاختيار، نختار  الاختيار البائس نفسه، كأنه قدرنا يا أخي، فنلوم أنفسنا، ونتمنى أن نستطيع ولو مرة أن نغير هذا الاختيار. قد يكون الأمر له علاقة بشخصيتنا أو ظروفنا الاجتماعية. لكن للأسف ليس متاحًا للإنسان أن يرى نفسه منذ ولادته، ولا حتى أن يرى الظروف حوله، وهو يُداس في أمر ما. لكنك فقط تستطيع أن ترى شبيهك في رواية ما. ترى فلسفة كاتب يريك شخصية كأنها أنت، لعلك تستطيع تفهّم ما يجري حولك.

«الطريق» لعمنا نجيب محفوظ، ترى فيها صابر الرحيمي منذ الولادة. تراه وهو دومًا يختار. حتى يَقتل ويُسجن بسبب اختياراته، وتظل أنت طول الرواية تقول للشخصية: أمامك طرق أخرى.. ستهلكين؛ فلماذا لا تسمع إلا نفسها؟ هل هي الظروف؟ أو شخصيتها؟ أم هو قدرها؟

تاريخ الشخصية:

نشأ صابر يتيم الأب مع أم غنية مالها الدعارة والحشيش. فنحَّته عن سكتها البطّالة، عائشًا بالمال الكثير حياة الترف واللذة دون تعليم ولا صنعة. وظل هكذا، لا يعرف شيئًا في الدنيا إلا ذلك.

الحدث المفاجئ:

تموت أمه بعد خروجها من السجن. وتضيع كل حياته عليه. ولكنها أخبرته وهي تموت بوجود أب له لا تعرف له طريقًا. فقط صورة وقسيمة زواج.

البقاء أم وراء أبيه؟

قبل أن تخبره أمه بوجود أب له، سألته عن مستقبله بعد أن ضاع كل شيء. فقال: كيف لي أن أدري؟ ليس لي إلا أن أعمل بُرمجيًّا أو بلطجيًّا أو قوادًا! فأنكرت أمه: كيف لهذا الابن الذي ترغد أن يفعل هذا. فقال لها أن ما فعلته به لم يكن في صالحه. فنبّهته أنه لم يخلق للسجون. فقال بقلة حيلة: وماذا في الدنيا غير هذا الأعمال؟

يجب أن نفهم هذا الكلام أولًا. لنراجع تاريخه، هو شخص لم ير في حياته إلا حياة أمه واللذة. أي قليل التجربة والخبرة. أي لا يوجد داخل إطار مدركاته ومن ثم تفكيره أي شيء آخر. ولا غاية له إلا اللذة. وهذا ما يعترف به

«وماذا في الدنيا غير هذه الاعمال؟». فكيف بهذا حين تعطيه أمه حلمًا فتقول له: أبوك سيد ووجيه بكل معنى الكلمة، لا حد لثروته ولا نفوذه. شيء ينتشله ويبعده عن الاعتماد على حياة أمه. ودون مجهود ولا تعب يعطيه عيشة أرقى من التي عاشها. شيء يعيد الماضي. شيء قالته أمه التي هي أمانه في الحياة. مؤكد سيمسك فيه بيديه وأسنانه. وأيضًا  حاصرته أمه بمدركاته هذه بعد أن اعترفت له بأبيه: بديله الوحيد أن تعمل برمجيًّا أو بلطجيًّا أو قوادًا أو قاتلًا. وهكذا اختار. ورغم فشل محاولاته في العثور على أبيه. وظهور طرق أخرى. يظل يبحث لأنه لا يوجد غير هذا الأمل. لأنه لا يعرف غيره.

الأنثى القديمة:

وبمجرد يقف أمام فندق في القاهرة بعد سأمه من الاسكندرية، تجذبه زوجة صاحب الفندق: إنها توقظ مشاعر نائمة، وتنبه ذكريات مدفونة في الضباب. هي ذكرته بامرأة كانت في الإسكندرية. ورأى  فيها عزاءه فتقول له نفسه: ما أحوجك إلى دفء الشهوة في فترات الراحة من البحث. وبدأت ترجع ذكريات الإسكندرية. ويحس أنه سيجد أباه بسهولة: غير بعيد أن يهتدي إلى مكان أبيه اليوم أو غدًا. واستيقظ يبحث عن أبيه مفعمًا بالنشاط…

واضح أن كل هذا يقول إن رؤية الماضي المتحدد به تفكيره، في هذه المرأة، جعله يحس بالأمان. إن كل شيء بخير. جعله ينجذّب لها.

المرأة الجديدة:

يذهب إلى جريدة ليبحث عن أبيه، فيلتقي أمام الجريدة بامرأة جذبته. فيسألها عن قسم الإعلانات، فتقول له بثقة: أنا ذاهبة إليه. فأراد أن يبحث عن مواضع للإثارة فيها، لكنه رد طرفه ممتلئًا بالإعجاب. وحينما اقتحم عليها جلستها بالمطعم، ازداد إعجابًا بثقتها بنفسها. ورأى فيها المرأة العاملة لا المرأة الباحثة عن الغرام بلا مبدأ، كما عرفها في الإسكندرية، مثل أمه وفتيات الليل، وزوجة صاحب الفندق. ولم يجردها من ملابسها مثل ما يفعل مع كل الإناث. حتى إنه قارن بها وبين الأنثى فقال: هي طاقة من عبير ليست كالنار التي صهرته في بالفندق.

لنفهم ما حصل سنراجع الماضي. هو كما قلنا، فماضيه محدد بأمه والدعارة، أي بمدركات معينة عن شكل الجنس الآخر وتفاعلاته كما قال «المرأة الباحثة عن الغرام». فهنا رأى شكلًا جديدًا عن المرأة لم يعرفه يومًا. ليست تبادل نظرات فسرير. ليست كالأنثى التي أول ما قابلها أخذ الأمر بينهم تمنعًا منها واقتحامًا منه. وهو مع هذا يمس رغبة التغيير فيه للحياة الأرقى. فهي امرأة عاملة مكافحة. وهذا ما جعله ينجذب لها.

المرأة أم الأنثى؟

بناء على السابق، فهو للأنثى أميل من المرأة. فالماضي متجسد فيها. الإسكندرية وذكرياتها وشكل المرأة الذي يدركه. فيحاول أن يجذبها ولكنها تتمنع. يجن جنونه لدرجة أنه يود لو يهلك من في الفندق وينقض عليها. أما المرأة صار يجلس معها في المطعم. لا مكان للملاحقات والمحاربة، وكل ما يعرفه عن المرأة وغرامها. وحين طاوعته الأنثى وجاءته في الليل نسي كل شيء. شعر كأنه في نشوة مطلقة. ومع الوقت، ومعرفته أنها تملك مال زوجها الكهل وتنتظر وفاته، سال لها كما لو أنها الجنة. حتى إن اهتمامه بالعثور على أبيه لم يعد في مكانته الأولى. شعر بأن الماضي يعود. أما المرأة فهو زين حقيقته لها. كذب عليها كثيرًا، لأنه لا يريدها أن تعرف عنه شيئًا. هي الجديد. والتغيير الثقيل. هي التي زعزعت أركان العالم الذي بناه لنفسه واطمأن إليه. يقصد الشهوات والعبث.

ووضع وصفًا دقيقًا لهما: الأنثى هي العزاء الحقيقي لا كالقلق النشوان الذي تخلفه المرأة. يقصد قلق التغيير.

من شدة تعلقه بالأنثى خاف سطوتها عليه. وحدث ما توقع. فهي جعلت تثقل عليه، لم تعد تأتي في الليل، وهو لا يزداد لها إلا حبًّا. مع أنه لم يفعل هكذا مع أنثى. وفي هذا نسي المرأة. وحلولها السهلة لتخليصه لم ير لها جدوى. لم يعد للمرأة تأثير في نفسه. ونسي أباه وبحثه. إلى أن عادت الأنثى تعرض عليه القتل حلًّا وحيدًا للتخلص من زوجها الذي بماله سيعيشان في رغد، ويتخلصان من عذاب لقاءت الليل.

كيف يقتل؟

لقد سطا عليه الماضي لدرجة أنه لم يعد يرى زوج الأنثى إلا عقبة لا بد من التخلص منها للسعادة. لعودة الماضي. والارتياح الأبدي من المعاناة. لكن هل هذا كافٍ لدفعه إلى القتل؟ لنراجع الماضي. في محادثته مع أمه قد قالت له من ضمن ما بقي له من أعمال، هو أن يكون قاتلًا. وقد قال إنه كان يخرس الألسنة التي تتكلم عن أمه وهي في السجن بقبضته. وأيضًا تذكر ذكرى كاد فيها أن يقتل أحدهم. وهذا يعني أن البلطجة كانت من ضمن مدركاته. أي يستطيع فعلها. وهكذا قتل.

إذن فالماضي محدد لتصرفاتنا. ولكن يمكننا القول إجمالًا، إن تحدد التفكير مع ضغط الظروف، يجعل الماضي هو الحل الآمَن. أو كما نقول:«اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد