القرآن الكريم، آخر كتاب من الله جل شأنه إلى البشر، ليس كتابًا في الكيمياء أو علوم الأرض، وبالتأكيد ليس كتابًا في علم الاجتماع … إلخ. مع ذلك فهو كتاب تكلَّم اللهُ فيه عن نفسه، وعن خلقه الكونَ والحياةَ والإنسان؛ من ثم يجد قارئ القرآن إشارات، إن أعمل فيها ما تلقاه من معرفة وعلم، وإن تعامل معها بأدوات عصره، لربما يصل لفكرة أو ابتكار، أو تأويل لظاهرة ما … إلخ. القرآن سماء، القرآن أصل.

وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن قائلاً: «كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لم تنته الجن حَتَّى قَالُوا: (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ)، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» – حديث صحيح باتفاق كثير من علماء الحديث القُدامى والمُحدثين.

من ثم، ليس عندي قناعة بالطريق الذي سار، وما يزال يسير، فيه كثيرون؛ أن نتلقف من العلم الحديث ما قد نجده مُتماشيًا مع القرآن، فنُهلل ونصيح أن ها هو قرآننا الذي أُنزِل من أربعة عشر قرنًا يُصادِق عليه العلم الحديث! لا، ما هذا بسبيل من يعتقد جازمًا أن القرآن كلام الله. المسار المُعاكِس أولى بالأخذ به، كما أشرت آنفًا.

في مقالي هذا تأملات في النشأة، نشأة الإنسان، وتكرار النشأة، وبناء السماء، ثم النشأة الآخرة. يقول جل شأنه في كتابه العزيز: «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله يُنشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير». إذن، بدأ الله جل شأنه خلق كل شيء، ثم هو يُنشئ النشأة الآخرة، يوم القيامة. وما بين النشأتين، النشأة الأولى والنشأة الآخرة، ينشأ أقوام ويذهب آخرون.

عن النشأة الأولى، يقول الحق: «ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون»، «وهو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنةً في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى». من الأرض إذن كان الانشاء الأول، من خامات ومواد هذه الأرض. وتأكَّد المعنى على لسان الأنبياء في القرآن الكريم: «وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب». الأمر مؤكد إذن، النشأة من الأرض، من خامات ومواد هذه الأرض.

ثم توالَى الإنشاء، قرونًا بعد قرون: «ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين»، «ثم أنشأنا من بعدهم قرونًا آخرين».

لقد أنشأ الإنسان بيوتًا ووسائل انتقال وحواسيب…إلخ، مستخدمًا عناصر الأرض (من الهيدروجين إلى اليورانيوم)، والمركبات الكيميائية التي تتألف من بعضها، والمعروف منها اليوم يعز على الحصر؛ كما عرف البلمرات التي تتكون من مئات أو آلاف الوحدات البنائية من المركبات الكيميائية، المتشابهة، وغير المتشابهة. كما استخدم المعادن، والسبائك. إن المتأمل فيما أنشأه الإنسان يجد أنها تبلى سريعًا، لا تلبث إلا بضع أعوام، أو بضع عقود، ثم تنهار بنيتها التركيبية.

كان لله في خلقه شأن آخر. إن المسافة بين التراب والطين (المحتويان على العناصر نفسها التي نستخدمها في إنشاءاتنا) والإنسان، حتى دون الكلام عن الروح، لهي مسافة هائلة. أنشأ الله خلقًا من خامات أولية أودعها في الكون وفي الأرض بعلمه، لكن على نسق مختلف، وأبرأ ذلك في تصاميم لا يعلوها شيء مما صممه المعماريون والإيرجنوميكيون Ergonomists (الذين يصممون الأشياء لتكون يسيرة على الاستخدام الإنساني). تأمل تصميم اليد البشرية، وكيف أن كل الحضارة الإنسانية كانت ممكنة بما أنتجته تلك اليد بهذا التصميم.

كان لله في خلقه شأن آخر. يؤدي القلب ضمن مهام أخرى وظيفة ضخ الدم، لمدة قد تربوا عن المائة عام. ليس ثمة مضخة مما صنع البشر قادرة على ذلك.

كان لله في خلقه شأن آخر. أقام الأشجار العملاقة من بذرة ضئيلة، تقف شامخة بارتفاع عشرات الأمتار، وبأحمال في بدنها قد تصل إلى العديد من الأطنان، وتعيش لأكثر من مائة عام؛ أنشأ تلك البنية الهائلة من النانو سليلوز، من مادة السكر!

أما هناك، بعيدًا عن الأرض، ثمة السماء. يقول تعالى: «الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً»، «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج»، أي مالها من شقوق تمنع اتصال مادتها. إذن السماء مبنية هي الأخرى، فلا معنى لقولنا الفضاء الخاوي بين النجوم.

«الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مُسَمَى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون»، «وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون». إذن، هي على هيئة ما تُشبه ما نبنيه من أماكن مسقوفة، تحتاج أسقفها أعمدة تحملها.. لكنها أعمدة غير مرئية!

«يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين»، «وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون». هي مُسطحة إذن، ذات سُمْك، كما الكتاب! سيطويها الله جل شأنه يوم القيامة.

«والسماء ذات الحبك». يصفها من خلقها أنها ذات طرائق.

من أي مادة بنائية أنشأها الله؟ ما تلك القدرة الهائلة في بنية السماء كي يُمكنها حمل ما بها من نجوم ومجرات يعجز العقل عن تقدير ضخامتها؟! يقول الحق: «والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسوعون»، بأيدٍ أي بقوة. هذه رؤية في خلق الكون تُفرِّق بين مادة السماء، الفضاء، ومادة ما فيها من سُدُم ومجرات ونجوم وكواكب وأقمار ونيازك وشُهُب. هذه رؤية قد أوشكت بعض الأفكار العلمية الحديثة، غير المُثبتة بعد، على مُقاربتها.

ثم الله يُنشئ النشأة الآخرة..

يبدو هذا الأمر الغيبي كأنه إنشاء جديد، بمعايير مختلفة. بمواد إنشاء مختلفة، بتصاميم مختلفة.

نشأة لا تبلى أبدًا، نشأة تُناسِب الخلود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد