يعرف الخطاب بأنه منظومة من الأفكار المعرفية التي تراكمت من استقراء وتحليل للواقع الثقافي والاجتماعي، والتي تختلف آلياتها حسب مستوى النضج الفكري والوعي المجتمعي، وارتباطه بعملية التغيير والتنمية.

ويلعب الخطاب وبنيته دورًا مهمًا في تكوين وعي الجمهور المعني بالخطاب؛ بل يساهم في صناعة تصورات ومعارف جديدة، وربطها بالأدلة الملموسة والحجج، مما يؤثر في السلوك المجتمعي والسياسي.

لقد أعلن بعض الزعماء السياسيين أنهم يقودون حربًا ضد الفيروس العدو؛ خطاب يطرح تساؤلات عديدة في ظل الأزمة، ما هو تموقع خطاب الأزمة؟ ما هي دلالاته؟ وما هي آفاقه؟

تعرف الأزمة بنقطة التحول التي تتميز بالحرج والحسم والتحول الشديد والمتسارع للأحداث تحت ضغط الوقت، وتستوجب التدخل بسرعة بهدف الحد من تبعاتها. ما يحتم تدخلات استثنائية وسريعة.

في هذه الفترة بالذات يحتاج المواطن لخطاب الرعاية والحماية، والتجاوب مع مخاوفه، ويقدم له خطوات عملية، الشيء الذي يميل له الخطاب السياسي وهو رفع درجة الوعي والتضامن وبث الطمأنينة والثقة والروح المعنوية للمواطن.

لخص الأمريكي أنطوني كينيدي الموضوع في أنه لا غنى عن الخطاب السياسي في عملية صنع القرار في الديمقراطية، من هنا وفي زمن كورونا، كان لا بد أن يحين الخطاب السياسي، وأن يواكب حجم الأزمة، فالأزمة بدأت صحية، ولكنها تطورت لأزمة اجتماعية ومالية خانقة؛ بل تعدتها إلى أمنية في بعض البلدان.

هل أصبحت السياسة بحاجة إلى دور العلماء لعلاج أمراضها؟

يبحث المواطن عن خطاب سياسي يشتمل على قرارات تطبق، وتعمم بعيدًا عن المزايدات الحزبية السياسية، فمع تواصل انتشار فيروس كورونا واتخاذ إجراءات تصاعدية لمواجهته، كان من الضروري أن يكون المخاطب قادرًا على طمأنة المواطن وتوضيح الإجراءات لضمان تطبيقها، وعلى العكس من ذلك فإن الأداء التواصلي للمسؤولين في عدة دول طرح كثيرًا من التساؤلات، الخلل التواصلي يعود أساسًا إلى غياب خطة واستراتيجية واضحة المعالم؛ وهو ما سبب ارتباكًا كبيرًا في أحيان كثيرة. والخطاب السياسي يؤثر في الفرد على الصعيد النفسي والصحي في الوقت نفسه، طالما كان إيجابيًّا، في حال كان يعطي تعليمات وتوجيهات لصالح المواطن، وطمأنته.

هناك عدة اتجاهات في تعريف الخطاب يندرج بعضها في إطار علم الألسنية، وبعضها خارجه، وينظر علم الألسنية إلى الخطاب بالمفهوم الواسع على أنه كل إنتاج ذهني منطوق أو مكتوب يقوله الفرد أو الجماعة سواء حقيقيًّا أم اعتباريًّا، وقد يكون سياسيًّا أو اجتماعيًّا، تتم من خلال محادثة عادية أو مقابلة رسمية أو مقالًا مكتوبًا، أو رسالة أو وثيقة، وذلك مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الظروف والسياق الذي قيل فيه.

بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو؛ فإن إنتاج خطاب متماسك وقوي وقادر على الإقناع هو ما يسهل الوصول إلى السلطة؛ بل هو السلطة نفسها.

أما عن البنيوية فهي تهتم بالخطاب في حد ذاته بغض النظر عن شخص قائله المتحدث أو سياقه التاريخي، وكيفية استقبال الخطاب والتفسيرات المختلفة له ومن أهم رواد هذه المدرسة هو دي سوسير الذي فرق بين اللغة أي اللسان والخطاب؛ إذ إن الأخير لا يعبر عن الإرادة الإنسانية أو الذكاء.

أما اميل بنفينست، فقد اهتم بقائل الخطاب بوصفه معبرًا عن نفسه وفكره من خلال ما يقوله في الخطاب، أما الألسنية التوزيعية؛ فترى أن الخطاب هو مجموعة القواعد التي تربط بين الجمل مكونة القول أو الفعل، ثم ظهرت النظرية النحوية التوليدية التحويلية التي تربط بين اللغة والعقل الإنساني فهي تعبر عن الإدراك.

أما عن تعريف الخطاب خارج إطار علم الألسنية، فهناك اتجاها يرى أن الخطاب ليس مجرد نصوص وإنما يرتبط بالقوة التي تتم ممارستها من خلال إلقاء الخطاب، ميشيل فوكو نموذجًا، فلا يوجد موضوعية في الخطاب؛ فهو يراه عنفًا يُمارس على الأشياء.

بين هذا وذاك، لعل أبرز إشكالية تواجه السياسي في خطاب الأزمة تتمثل في إحداث توازن بين شفافية طرح المشكلة وتداعياتها من ناحية، وطمأنة الشعوب من ناحية أخرى، فالشفافية تعد محددًا رئيسًا للثقة، بحيث إن أي تناقضات أو رسائل متضاربة يحويها الخطاب يمكن أن تهدم مصداقيته، ولعل أسوأ ما يمكن أن يطرح في خطاب الأزمة؛ هي تلك التي تعتمد على الأنا، وأيضًا تلك التي تصاغ بهدف تقديم دعاية سياسية مباشرة؛ فإن الاستثمار السياسي في أزمة تتفاقم يؤدي إلى كارثة، أو ما يمكن تسميته الانتهازية السياسية، وبالتالي يفترض ألا يكون الخطاب متسمًا بالشعبوية، والحركات الاستعراضية والدعائية، بل بالمسؤولية والوضوح.

سبق وأن حث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المجتمع الدولي على وقف كل الحروب، وتركيز الجهود على محاربة العدو المشترك الحقيقي فيروس كورونا، ونحن في الأمتار الأخيرة من هذه المواجهة اكتشفنا فارق الثقافة بين الشعوب، ولاحظنا أن العالم يشهد تغيرات في العلاقات الدولية.

لنصل ختامًا إلى سؤالنا: لماذا لا تتم الاستفادة من مخرجات أزمة كورونا، ومن التجارب الناجحة في العالم، لإصلاح أحوال السياسة والسياسيين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد