كان لهذه الأيام المتوالية لحراك الربيع الجزائري، سواء على مستوى الصحافة المكتوبة أو المرئية أو وسائل التواصل الاجتماعي خطابات عنيفة تتجاذبها الحماسة الوطنية بين المعارض والموالي للسلطة وأنت ككل مواطن تتتبع الأخبار يوميًا غرض معرفة المستجدات الحاصلة فهو الحدث البارز على الساحة الوطنية والدولية. كيف لا فهو مد الانتفاضة الشعبية الجزائرية الذي سبقته فيما قبل انتفاضات عربية تتصاعد مسيرة البناء المؤسسي السياسي فيها بين المد والجزر لمحاولة إخضاع هذه الثورات أو بالأحرى هذه الهبات لمطالب الشعب المنتفض حول عدم استقرار الأوضاع القائمة في المجتمعات العربية كما كانت ومحاولة إعادة تنظيم الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وأنت تستمع إلى بعض الحوارات أو الجدل القائم بين النخب المثقفة دون تعصب أو تحزب لأي من الأراء المعروضة تجد في بداية عرضها نموذجًا من الحوارات الديقراطية والحضارية التي استقبلت التغيير بكل شفافية وتسعى إلى تقديم أفكار وخطط وبرامج تتماشى مع مستوى المطالب الشعبية في الشارع المنتفض، لكن سرعان ما ينفلت زمام الجلسة الحوارية إلى لغة التجريح والتخوين والتشكيك والانتقاص من الآخر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على نتاج النظام السياسي القائم الذي أفرز بعض النخب المتعصبة في مشاعرها وسلوكياتها نستطيع القول إنه صنيعة أفكار الشرعية الثورية والتي لا يمكن التقليل من مسارها النضالي ومن كل الإنجازات التي قامت بها على مدار الحقبة التاريخية لتوليها الحكم فهو دون أدنى شك النضال والكفاح الذي أوجد دولة نوفمبر 56 بمبادئها ونظام الحزب الواحد طوال 54 عامًا فهي الرمز والإنجاز.. كذلك هو الخطاب السياسي، خطاب متعصب إلى حد ما متأثر بالعوامل السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

رغم أن الثقافة السياسية لكل مجتمع لا تعرف ثباتًا مطلقًا، بل تتعرض للتغيير المستمر ويكون هذا التغير إما بطريقة مخطط لها، وهو ما يطلق عليه التغيير الموجه الذي يرتبط بالقيم والاتجاهات والمشاعر والسلوكيات السياسية للأفراد، أو بطريقة التغير الموجه الذي يتم عن طريق النظام السياسي من أجل التعايش مع تطورات قد تصيب المجتمع.

لذا كانت هذه الهبات الشعبية للجزائرين الذين بدأو الخروج منذ مسيرة 22 فبراير (شباط) إلى جمعات متواصلة مطالبين بالتغير الجذري لأداء النظام السياسي الذي احتكر الخطاب الثوري والمؤسسي في كامل إنجازاته رغم التعددية المسموح بها فلم يعد بالإمكان بعد هذه الثورات في مختلف البلاد العربية الاستمرارية بحوارات ثابتة ومهيكلة على النمط الكلاسكي التقليدي، بل أصبح لزامًا التخلي عن هذه المنظومة الفكرية المتقولبة في شعارات الثورة والنضال والولاء، وإنما هي شرعية ديمقراطية وخطاب جماعي يستوعب كل شرائح الشعب بغض النظر عن الانتماءات والعقائد والمصالح.

لابد للخطاب الشعبي بكل شعاراته المتنوعة والخطاب الإعلامي خصوصًا الذي تمثله النخبة المثقفة في هذه المرحلة الحساسة من مراحل الانتقال السلمي والديمقرطي والحضاري أن يتوحد في مصالحه الوطنية ويحاول أن يتجاوز البداغوجية والمحسوبية للنظام السياسي؛ لأن العالم الافتراضي للشعوب أمد بكثير من جسور التواصل والتلاقي بين الشعوب، فثلاثية التشكيك والتخوين والتعصب التي تبناها الكثيرون من الموالين للنظام أصبحت تمثل حجر عثرة في مسار الانتقال الديمقراطي الجزائري في موجته الثالثة، وخاصة أن الأوضاع المؤسساتية للدولة بأركانها تفتح الآفاق للتغير وتحقيق الانتصار على التردد والخوف الذي روجه النظام الفاسد والبيروقراطي الذي احتكر السلطة وخنق الحريات الفردية واستولى على الثروات الطبيعية للدولة بمساومة الشعب على الأمن والاستقرار.

وليس بالهين أيضًا أن نستهتر بحركية نشطاء الحراك الشعبي الذي شكل فسيفساء ثورة ربيع آخر للجزائر على مدى الأجيال الثلاثة جيل الثورة وجيل العشرية السوداء وما تلاها إلى الجيل الحالي الذي هو بحاجة إلى خطابات إيجابية وراشدة تستوعب مطالب التغيير والدخول في مرحلة انتقالية بمفاهيم وخطابات تتلاءم مع المرحلة الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد