الدكتور والأديب الكبير الراحل أحمد خالد توفيق. اسمه عرف ثلاثيًا لكل أبناء جيله وقرائه، من عشقوه وأدمنوا العالم الآخر من سلسلة ما وراء الطبيعة، من عاصروا تلك السلسلة وانتظروها بفارغ الصبر.. هم جيله، هم من وجدوا فيه روحًا تبثهم الأمل والإقدام، وجدوا من يقول لهم إن لم تكونوا ملائكة، فأنتم لستم شياطين، وجدوا من أفنى وقته في كتابة المقالات التي تهاجم كل من يحط من قدر الشباب.

هو كاتب وأب وحامٍ للشباب.

أنا لست من ذلك الجيل، لم أعاصره، لكني – ويشرفني أني – عاصرت (يوتوبيا، والسنجة، وممر الفئران، وشربة الحاج داود).. كتاباته أثرت في شخصي كثيرًا كشاب، أنا من قرائه وهو عندي من أفاضل كتابي، الاحترام والتقدير به يختال، هو من جعل أمة في عصره تسترجع إدمان القراءة، من وجدوا عالم الرعب والفانتازيا في طفولتهم يشهدون له بذلك. وجد جيله فيه البر الآمن، والملاذ الوحيد من إعصار أخذ يفتك بالشباب في حينه، فكأنه الأب الروحي والفكري في وقت واحد.

له أعمال كثيرة، لو أحصيتها وذهبت تستقصي عن أوقاته.. لأجزمت أنه ما كان يقضي وقته سوى في الكتابة أو القراءة.

بمجرد سماعي نبأ وفاته بعد العشاء، كأن الدنيا دارت من حولي، وأني شعرت بدوران الأرض، ولما تيقنت من الخبر تيقنت مشاعري وخواطري، وانساب الدمع بعفوية، يا دكتور أحمد.. أنا لم أرك ولو مرة واحدة على أرض الواقع، لم بكيتك! لم رثيتك! والله ولا أخجل.. إن لي أقارب ماتوا، عندما سمعت بموتهم اكتفيت بمط شفتي قائلًا: (الله يرحمه/ا)، إن بين الأب والأم روح، وبين الزوج والزوجة روح، وبين الأخ والأخت روح، وبين الكاتب والقارئ روح كذلك.

إننى عندما أقرأ أشعر بسطور الكتاب تحدثني، ولا يحدثني الكتاب إلا عندما يضع كاتبه روحه به، فتنتقل الروح إلى العين التي تقرأ السطور ومن العين تجتاح حنايا روحه فتسكن بها وتمكث الكلمات التي خرجت من صاحبها تحمل منه أشياء قيمة.. لا يقدرها سوى آخذها، وأنت ممن وضعوا أرواحهم بين كتبهم، قد تنبأت فى يوتوبيا بصراع وطبقات ها هي تظهر الآن، وها أنت تفارقنا وكأنك تقول: اللهم بلغت.. اللهم فاشهد، لقد فقدنا أبًا لنا، ومتممًا لفكرنا، فكر ناضج واع.

يا سيدي الراحل إنك أثرت في بشكل خاص، لقد مسحت صفحة اليأس من كتاب حياتي، لقد علمتني أن أستمر غير مبال بنقد لاذع، طالما أن هناك نحلة تطن برأسي، ولا تكف عن الطنين، أنت يا من وضحت أن الشباب منبوذ من آلة ضخ الأكاذيب المسماة الإعلام، أنت من لم يخنا، ولم تدنس قلمك لأي كائن ما كان، إني أنظر بعد موتك في الأفق فأرى وجهك بابتسامتك العذبة وكأنك تقول: (لا تخف وقف وسر للأمام)، والله إنى أكتب كلماتي هذه بدموعي، ولا أقول إلا ما يرضى ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.   

أعلم أني مهما تحدثت وتناولت من شتى بقاع الكلام، فلن أفضى مكنون صدري وهاجس عقلي.. إن من يكتب يا دكتور لا يموت، إن محبيك وأبناءك، وأنا منهم، سيظلون يدعون لك في الصلوات وفي غيرها، كما ندعو لمن شكل عقولنا قبلك، أمثالك لا يموتون، ويظل الدعاء لهم بالرحمة والذكر لهم بالخير قائمًا، لا يهدمه أحد، إنكم تتركون أرواحكم بين الكتب، الكتاب يحمل روح صاحبه ويدل على كينونته، الله تعالى أنزل القرآن كتابًا، حتى نتذكر الله تعالى بكتابه، مرورًا بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين إلى الأئمة الأربعة حتى نصل إلى أمثالك.. أنتم تغادرونا بأجسادكم، ولكن تظلون معنا بأرواحكم وأعمالكم التي تخلدكم عبر التاريخ، لا يموت الكاتب، فروحه في الكتب تحدث القارئ أفضل من محدثيه من الأصدقاء والناس من حوله، تناشده بأن يصير للأفضل، تتطالبه بالارتقاء والسمو.. يا منمين فكرنا، جعلكم الله في الآخرة ممن سيسكنون الفردوس، فأنتم أسكنتمونا فردوس المعرفة، وأعطيتمونا كنوز العلم، وسقيتمونا من كأس الثقافة، وأبعدتمونا عن حظيرة الخطأ، وأرشدتمونا لجنة الصواب الخضراء.

لا أدرى ما أقول، لكن كل ما بوسعي هو الدعاء لك:

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله وأكرم مدخله، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأسكنه مع النبى المصطفى، واسقه من يده شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبدًا، اللهم ارزقه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، اللهم اجعله من ساكني الفردوس الأعلى، وارحمه يا أرحم الراحمين.

اللهم أنت تعلم إعلانه وإسراره، فارحمه يا رب لما بذله لوعي أمة راقدة.

يا رب أنت تعلم أنه قال: إنى أخاف من الموت؛ لأني لست مستعدًا للقاء الله بعد.

يا رب إنه يخافك ويهاب لقاءك، فأسكنه الجنة أثر خوفه منك وخشيته لك، واجعل أعماله في ميزان حسناته يا رب العالمين.

يا روحًا مني أنبتت.. وداعًا وداعًا كمسك الختام.. ماذا عساي أقول! وماذا أقول.. وقد مات الكلام.. فارقتنا بلا رجعة فليجعلك ربنا بين الكرام.. روحك تمكث معنا ومع كتبك أرواحنا في التئام.. دنيانا وحل أسود لا يطيقه أمثالك من العظام.. أنت الآن عند مليكنا رب البرية خالق الأنام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد