وقفت امرأةٌ على قيس بن سعد بن عبادة فقالت: أشكو إليكَ قلة الجرذان؛ فقال: ما أحسنَ هذه الكناية! املأوا لها بيتها لحمًا وخبزًا وسمنا

يرى البلاغيون أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأن التعبير عن المعنى نفسه بالكناية يزيد في إثباته ويجعله أبلغ وآكد وأشد. وتنقسم الكناية لأنواع؛ فهي باعتبار المكنى عنه تنقسم إلى ثلاثة أقسام (الكناية عن موصوف، والكناية عن صفة، والكناية عن نسبة)، وباعتبار الوسائط فإنها تنقسم إلى التعريض والرمز والتلويح والإشارة، كما أن التورية واللحن من أنواع الكناية.

الإشارة هي الكناية التي قلت وسائطها مع وضوح الدلالة، ومن أنواع الإشارة التفخيم والإيماء؛ فمن التفخيم قولك: الفاروق عمر، وما أدراك ما الفاروق؛ فأنت تقصد أن الفاروق رجل عظيم القدر والمكانة، وهذا التفخيم لون من الكناية. أما الإيماء لغة فهو أن تشير إلى قريب منك إشارة واضحة، واصطلاحًا الذي قلت وسائطه مع وضوح اللزوم. ويحتاج الإيماء لفطنةٍ المتكلم والسامع، وعندما تكون الإرسال والاستقبال مؤهلًا للتعامل مع شبكة الإشارة والإيماءة؛ فإن الجو تسوده روح البلاغة التي هي في أبسط تعريفاتها لمحةٌ دالة.

ومن الإيماء ما ورد في الفائق أن عيينة بن حصن لما كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد! أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا كصحيفة المتلمِّس، وصحيفة المتلمِّس إحدي الصحيفتين اللتين كتب بهما عمرو بن هند لطرفة بن العبد وخاله المتلمِّس، لعامله في البحرين وأمره بإهلاكهما وأوهمهما أنه كتب لهما كتابًا جائزة؛ فأعمل المتلمِّسُ حزمه وفض الكتاب، وأعطاه لصبي يقرأ فحذره وهرب، بينما تولى طرفة كبره، وورد على عامل البحرين فقتلوه، وسارت الصحيفة مثلًا في كل كتاب يحمله صاحبه يرجو منه خيرًا وفيه ما يسوءه. أومأ عيينة بن حصن إلى صحيفة المتلمِّس وترك تفسير ما وقع لصاحبها إلى فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل لبيبٍ بالإشارةِ يفهم؛ فما بالك بمن أوتي جوامع الكلم!

وللعرب مواقف يحار فيها المرء للوهلة الأولى، ويقف مشدوها من سرعة فهمهم وقوة ردهم؛ فالأمر لا يستغرق عندهم بضع ثوانٍ ليحسنوا التعامل مع المواقف الصعبة. ونطوف الآن مع مجموعة من هذه المواقف تنتقل فيها الكاميرا بين الفيافي والقصور، ونستجمع عددًا من الدر المنثور لأناس أوجزوا في العبارة وبلغوا مرادهم، وما ذلك إلا لدقة الفهم وسعة الثقافة وحدة الذهن؛ فهيا بنا نطوف في عقول هؤلاء الكبار، ونأخذ عنهم بعضًا من فوائدهم فربما ننتفع بها.

حج أبو جعفر المنصور (95 – 158هـ) وزار المسجد النبوي في المدينة المنورة، وطلب من حاجبه (سكرتيره الخاص) الربيع بن يونس أن يأتيه برجل يعرفه طرق المدينة وكان يحب ذلك؛ فأسند الفضل المهمة لأبي بكر الهذلي، وكان لا يبدأ بالكلام إلا إذا استنطقه الخليفة؛ فأعجِب به المنصور وأمر له بجائزة. وفي اليوم الأخير للزيارة، وقبل عودة المنصور إلى بغداد خرج يمشي في طرقات المدينة، وإلى جواره الهذلي على عادته لا يبتدئ بالكلام، وفجأة قال وقد أشار بيده: هذا يا أمير المؤمنين! بيتُ عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:

يا بيتَ عاتِكَةَ الذي أتعزَّلُ حذرَ العدى وبِهِ الفؤادُ موكَّلُ

فنظر له المنصور نظرة استهجان، وقال في نفسه: ما الذي دعاه لأن يبتدأني بالحديث؟ ثم تفكر المنصور واسترجع القصيدة في نفسه؛ فإذا به يقف على البيت قبل الأخير وفيه يقول الأحوص:

وأراكَ تفعلُ ما تقولُ وبعضُهُم مَذِقُ الحديثِ يقولُ ما لا يفعلُ

فضحك المنصور وسأل الربيع: هل أعطيتم الهذلي جائزته؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين! فقال المنصور: عجِّلوا بها وضاعفوها. كان هذا الحوار لطيفًا في تذكير الخليفة بالهدية، وفي سرعة فهم الخليفة لمراد الرجل دون أن يشعر من حولهما بالأمر. والشيء بالشيء يذكر؛ فإن يزيد بن المهلب وعد كوثر بن زفر وأبطأ بوعده؛ فدخل عليه كوثر وقال: أصلح الله الأمير! أن أعظم من أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تفعل من الخير شيئًا إلا وهو يصغر عنك، وأنت تكبر عنه، وليس العجب أن تفعل، ولكن العجب أن لا تفعل؛ فطرب يزيد لهذا الخطاب البليغ أيما طرب، وقال له: سل حاجتك؛ فلما سأل حاجته قضاها له وضاعفها.

انظر إلى الفطنة في الطلب، وكيف أن الكلمة الطيبة تفتح مغاليق الأمور وتهتز لها قلوب الكرام، ويحفظ المرء ماء وجهه وهو يتلطف في السؤال، وهذا من بديع ما امتن الله به على بعض خلقه؛ فكانت لهم مكانة في القلوب بحسن خطابهم وجميل أسلوبهم، وفي ذلك تقول الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح.

أما القصة الثانية فتأتي من المسجد، وتحديدًا من مجلس الشريف الرضي (359 – 406هـ)، وكان الشريف الرضي يكره أبا الطيب المتنبي، وبينما الشريف الرضي بين شيعته إذ بأبي العلاء المعري (363 – 449هـ) يستأذن في الدخول؛ فأذن له الشريف وأحسن استقباله وأجلسه إلى جواره. وكان صاحب المعرة يلقَّبُ بمجنون المتنبي، وكان لا يرى منافسًا لأبي الطيب، حتى أنه شرح ديوان المتنبي وأطلق عليه معجِز أحمد؛ إشارة إلى تفوق المتنبي على شعراء العرب جميعًا.

وأخذهم الحديث في الشعر والشعراء، وكان لا بد من ذكر المتنبي؛ لأنه كما يقول ابن رشيق في العمدة: ثم ظهر المتنبي فملأ الدنيا وشغلَ الناس، ونال الشريف الرضي من المتنبي؛ فلم يحتمل شيخ المعرة هذه الإساءة فقال: لو لم يكن للمتنبي إلا لاميته التي مطلعها:

لكِ يا منازِلُ في القُلُوبِ منازِلُ أقويتِ أنتِ وهنّ منكِ أواهِلُ

لكفاه ذلك فضلًا ورفعة؛ فاستشاط الشريف الرضي حنقًا وغضبًا وصرخ في رجاله: جروا برجل الكلب فأخرجوه من المسجد؛ فلما أخرِج أبو العلاء، قال الشريف لمن في المجلس: أما إن للمتنبي قصائد هي خيرٌ من التي ذكر يقصد أبا العلاء ولكنه أراد بتلك القصيدة البيت القائل:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادةُ لي بأنيّ أكملُ

فانظر إلى سرعة البديهة وفطنة أبي العلاء في إفحام الشريف الرضي لتهجُّمه على المتنبي، وفطنة الشريف الرضي في فهم مراد أبي العلاء من ذكر اللامية دون غيرها من قصائد المتنبي. وهذا نوع من التضمين (الاستلزام) الخطابي سنعرض له في الجزء الثاني بشكل أوسع تفصيلًا، ويرتبط ببلاغة القائل والمستمع والظروف الملابسة لهذا التضمين.

وفي المتنبي لا تنقطع العجائب، ولا تندرس الغرائب، وكثيرٌ حساده والسيل حربٌ للمكان العالي، وقد جرى المشهد الثالث في بلاط سيف الدولة الحمداني، وكان متيمًا بشعر أبي الطيب مقدمًا له على غيره من الشعراء؛ فقال السري الرفاء يومًا: أشتهي أن ينتخب الأمير قصيدة من غرر قصائده لأعارضها ويتحقق الأمير بذلك أنه أركب المتنبي في غير سرجه؛ فقال سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته التي مطلعها:

لعينيك ما يلقى الفؤادُ وما لقي وللحبِّ ما لم يبقَ مني وما بقي

قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها في تلك الليلة؛ فلم أجدها من غرر قصائده ولا من مختاراته، لكني رأيته يقول في آخرها عن ممدوحه:

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ أراه غباري ثم قال له الحقِ

فقلت – أي السري الرفاء – في نفسي: والله ما أشار سيف الدولة إلا لهذا البيت.

أما المشهد الرابع فليس بالقرب من بيت عاتكة، ولا هو في مسجد الشريف الرضي، ولا في بلاط سيف الدولة، لكنه في الرصافة شرق نهر دجلة، وبينما يجلس رجلٌ على الجسر، ويبدو أنه لم يكن مشغولًا بهم ولا غم ساعتها؛ فانتبه لما يدور حوله وصور مشهدًا بديعًا لينقله إلينا الآن. رأى الرجل امرأة أقبلت من جانب الرصافة تقصد الجانب الغربي، وقد استقبلها شاب وهو يقول: رحِم الله علي بن الجهم!؛ فأجابته المرأة من فورها: رحم الله أبا العلاء المعري! وسارا في طريقهما دون أن يزيدا عن ذلك همسًا ولا جهرًا.

الرجل يجلس على الجسر لا يفعل شيئا، وقد سمع بأذنيه كلامًا لم يفهم منه حرفًا، ربما ظنها للوهلة الأولى جملًا مبتسرة تشبه تعاويذ الكهان؛ فقرر أن يفهم أي شيء بما أنه فارغ البال والوقت. توجه الرجل مسرعًا إلى المرأة وقال لها: إن لم تقولي لي تفسير ما دار بينكما تعلقت بكِ وناديت الشُّرط؛ فقالت: على رِسْلِك! قال لي: رحم الله على بن الجهم، وأراد قوله:

عيونُ المها بين الرصافة والجِسرِ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

فقلت له: رحم الله أبا العلاء المعري، وعنيت قول أبي العلاء:

فيا دارها بالحزن مزارها قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ

قال الرجل: فعجبت من فطنتها وسرعة ردها، ومن جهلي بما دار بينهما لولا أني استنطقتها!

وتنتقل الكاميرا إلى المغرب، لتصور لنا مشهدًا رهيبًا من مشاهد فطنة المتكلم والسامع؛ فقد طرد أمير مراكش رجلًا رماه الناس بالزندقة، وهو المهدي ابن تومرت، وقد تناقلت البلاد خبره، ونزل ضيعة فيها رجل يقال له إسماعيل بن يحيى الهزرجي. ودخل ابن تومرت المسجد وتناجى الناس بخبره وتهامسوا في شأنه، وأضمروا قتله لإفساده عقول الناس وللتقرُّب بدمه لأمير المسلمين، وكان الهزرجي قد سمع ذلك منهم؛ فأقبل على ابن تومرت وسأله عن إعراب قوله تعالى: إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.

فهم ابن تومرت مقصد الهزرجي وخرج إلى تينمل، وكانت فطنة الهزرجي باعثًا على تحذير ابن تومرت من القتل، وفطنة ابن تومرت في فهم مراد الهزرجي حقنت دمه وحفظت حياته إلى أجلٍ مسمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد