تمر مصر في تلك الأيام بذكرى الثورة التي تراها كافة مؤسسات الدولة (مؤامرة).

جزء ليس بالقليل من المجتمع المصري كره الثورة، فهي في وجهه نظره كانت السبب في انهيار السياحة والاقتصاد، متناسين أن عجلة الإنتاج التي يدعون وقفها متوقفة منذ أن سيطر الجيش على الحكم في عام 1952 عقب انقلاب عسكري تزعمه البكباشي جمالي عبد الناصر.

فالقضاء يقاوم الثورة التي أرادت أن تقضي على كبرياء وغرور مؤسسة العدالة التي توارثت المناصب والمواقع أبًا عن جد.

فلم يعد هناك مجال لأبناء الطبقات البسيطة من أن يحلم يومًا أن يكون جزءًا من منظومة العدالة فقالها رئيس نادي قضاتهم قبل أعوام وعقب الثورة مباشرة نحن الأسياد وهم العبيد.

الجيش يقاوم الثورة التي أرادت تقليم أظافره وعودته إلى ثكناته وسحب استثماراته لصالح الموازنة العامة للدولة ومراجعة الموازنة الخاصة بالجيش.

أي أن الثورة أرادت أن تخضع مؤسسة الجيش للدولة وليس إخضاع الدولة للجيش وهذا ما لم تقبله قيادات الجيش الكبيرة.

للشرطة ثأر هو الأكثر وضوحًا مع الثورة؛ فرجال الشرطة يشعرون بالإهانة لما تعرضوا له في 28 يناير 2011 في كافه ميادين مصر وكأن المطلوب من الثوار كان حينها أن يصعقون بالكهرباء دون أن يقاوموا.

كما أن الثورة قلمت أظافر جهاز الشرطة وتحديدًا (جهاز أمن الدولة) وإن كان ذلك لحين وليس دومًا فثمة محاولات حثيثة لهيكلة وزارة الداخلية انتهت بالفشل.

المؤسسات الدينية تقف ضد الثورة:

ليس سرًا أن البابا شنودة بابا الأقباط دعا أبناء الكنيسة إلى عدم النزول في مظاهرات رافضة لاستمرار حسني مبارك في السلطة، ولكن الشباب الأقباط خرجوا رغمًا عن تلك الدعوات، وانتشرت عدد من الفيديوهات على صفحات التواصل الاجتماعي في ذلك الحين كان مضمونها أنا قبطي وأحترم البابا روحيًا ولكني مصري قبل أن أكون قبطيًا ونازل 25 يناير.

ورغم رفض الإمام الأكبر شيخ الأزهر لتلك التظاهرات فليس سرًا أنه كان عضويًا بلجنة سياسات جمال مبارك الذي كان يعد ليكون وريثـًا لوالده.

الآن شباب شيوخ الأزهر خرجوا في المظاهرات وكان الشيخ الشهيد عماد عفت وغيره كثيرون نموذجًا لذلك.

وقوى دينية مستقله أخرى كالجبهة السلفية والدعوة السلفية، ويقال إنهم تربوا على أيادي أمن الدولة التي صنعتهم لكي يواجهوا بهم الإخوان في لحظة معينة فقد خرجوا وحرموا الخروج على الحاكم قبل أن يلتحقوا بالثورة فيما بعد حينما بات واضحًا أن مبارك على وشك الانهيار.

ورغم معارضة المؤسسات الدينية ونصيحة التابعين لها ومقاومة جهاز الشرطة للمتظاهرين في 25 يناير وما تلاه إلا أن الشباب تمكن من الوصول إلي كافة ميادين مصر بعد أن فتحوا صدورهم للرصاص وخرجوا على قناعات مرشديهم الدينيين.

إن الخروج في مظاهرات 25 يناير لم يكن أبدًا خروجًا وقتيًا على الكهنوت المسيحي والإسلامي، وإنما خروج دائم  لبعض الشباب حتى وإن عاد بعضهم عقب تفاعلات سلبية أنتجتها حاله الاستقطاب بين الإسلاميين والليبراليين إلى أحضان الكنيسة أو عقب حادث ماسبيرو المشين.

الخروج على الأجيال القديمة من الآباء والأجداد:

كان ذلك خروجًا مثمرًا لا يقل أهمية على الخروج على سطوة المؤسسات الدينية حيث أثمرت الثورة عن تقلص الدور القبلي وبروز دور الشباب الذي يمثل حوالي 60% من تعداد السكان في مصر.

وبغض النظر عن تفاعلات ما بعد الثورة وما بعد الإطاحة بنظام مبارك:

فإن ثمة أخطاء ساذجة وقعت فيها كل فصائل الثورة

1_الموافقة على تسليم السلطة للمجلس العسكري.

2_الديمقراطية التنافسية بديل عن الديمقراطية التشاركية.

والعديد من الأخطاء التي لا آخر لها التي ارتكبتها فصائل الثورة بكافة أطيافها فليس من الإنصاف أن يتحمل أحد الفاتورة وحده.

وما نتج عن أخطاء ما بعد الثورة أوصلنا بشكل حتمي إلى الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013.

ولا أود أن أستطرد كثيرًا الآن في مسببات الانقلاب أو سبب استمراره إلا أنني أود أن أذهب إلى مشهد آخر وهو كيف لنا نستعيد الثورة من جديد وما المعوقات التي تبقى قائمة في طريق تحقيق انتصار جديد للثورة التي وجهت أولى ضرباتها في 25 يناير وتلقت أولى ضربات الثورة المضادة فيما سمي باستفتاء اليوم الأسود 19 مارس 2011 أي بعد شهرين من الإطاحة بحسني مبارك.

أولاً: العلاقات المدنية العسكرية: كيف ستدار في مستقبل ما بعد انتصار الثورة شكل العلاقات بين المواطنين من جهة والقوات المسلحة من جهة أخرى؟ وهل سيبقى وضع الجيش كما هو في إطار مميزات لأفراده في كافة أمور الحياة دون باقي المؤسسات، فتقليم أظافر القادة أمر حتمي لنجاح أي تحول ديمقراطي؛ فليس من المنطقي أن يسيطر الجيش على حوالي 60% من الاقتصاد، فقد وصل بنا الأمر إلى كون الجيش يبيع السلع للمواطنين في الشوارع فبات يقوم مقام الدولة، فالكباري والطرق ينشئها الجيش والسلع ينتجها، وإذا أردت أن تتزوج فالجيش يملك أفضل القاعات، فحتى كحك العيد يستثمر فيه، وهذا أبعد ما يكون عن دوره الحقيقي وهو حماية الحدود المرتبكة من ناحية ليبيا وإسرائيل، وأزمه اليمن وما تطل علينا به؛ في أزمة باب المندب وسد النهضة، وكوارث لا أول لها ولا آخر أظن أنهم مشغولون عنها اليوم لصالح الاقتصاد العسكري.

ثانيًا: منظومة العدالة: كان ثمة تعاطف كبيرة بين عموم الشباب النشطاء ما قبل ثورة يناير مع القضاة فيما تعرضوا له من اضطهاد مباشر من حسني مبارك عقب حديث بعضهم عن تزوير انتخابات الرئاسة والبرلمان في عام 2005 وكان للقضاء وقفات احتجاجية ضد تدخل الدولة في شئون القضاة وهي الاحتجاجات التي قادها عدد من القضاة أبرزهم المستشارون زكريا عبد العزيز وأحمد مكي إلى أن أصبح عقب الثورة وزيرًا للعدل ومحمود مكي الذي أصبح نائبًا لرئيس الجمهورية وهشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات وغيرهم من شرفاء القضاة حتى وإن تفاوتت مواقفهم السياسية عقب الثورة.

إلا أن الشباب والساسة تعاطفوا مع القضاء ونظموا عدة اعتصامات للتضامن معهم وكان أبرز هؤلاء هم محمد مرسي وهو الرئيس الحالي المعتقل وأحمد ماهر منسق حركه شباب 6ابريل وهو قيد الاعتقال الآن أيضًا.

فلم يعد من المقبول أن تبقى مؤسسة العدالة بتلك الأوضاع المشينة والعنصرية فهي ترفض دخول أبناء الفقراء للنيابة، كما أن عدد كبير من القضاة تورطوا في إشكالية كبيرة وأبدوا آراء سياسية مؤيدة للعسكر أحيانًا ولجماعة الإخوان أحيانًا ولابد من تطهير المؤسسة من القضاة ذوي الآراء السياسية لضمان استقلال مؤسسة العدالة.

كما يجب إنشاء محاكم بعيدة عن القضاء العاديين لمحاكمة النظام الفاسد الذي قامت عليه الثورة دون توريط مؤسسة العدالة في أحكام سياسية جديدة.

ثالثـًا: جهاز الشرطة وهو صاحب الصراع التاريخي مع المواطنين والذي يدفع دومًا فاتورة الفساد، فقوات الشرطة هي التي تواجه المتظاهرين الحالمين بدولة حرة وبلا فساد.

ولابد من هيكلة جهاز الشرطة بشكل كامل، ولأن حجم الفساد الواضح والمتورطين من الجهاز في قضايا تعذيب وقتل مواطنين أكبر من باقي المؤسسات فسوف يتطلب ذلك الأمر الإطاحة بالعديد إن لم يكن كافة الرتب العليا للجهاز ما يؤدي إلى صناعة فراغ في منظومة الأمن، ولكي يتم ملئها لابد من إعادة إدماج مجموعة أخرى من الشباب كضباط وصف ضباط وما مدى ضمانه إلا أن يكون هؤلاء الشباب لا يتبعون تيارًا سياسيًا معينـًا خوفـًا من بناء حرس ثوري إيراني جديد دون أن ندرك ذلك.

كما يجب تغيير اسم الوزارة ذاتها من وزارة الداخلية إلى وزارة الشرطة أو الأمن، فلا معنى لهذا المسمى أيضًا؛ فجهاز الشرطة مسئول وفقط عن حماية الأمن وليس له علاقة من المفترض بالأمور الخاصة بالمواطن بعيدًا عن الأمن.

كما يجب نزع إدارات بعينها من الجهاز كالسجل المدني مثلآ وإعلانه جهازًا مستقلاً يتبع رئيس الوزراء مباشرة.

فهذه المؤسسات تقف بشكل مباشر ضد أي تحرك في مسار الديمقراطية لاعتبارات مصالح كثيرة من خلال اقتصاد أو نفوذ أو أوضاع اجتماعية رسخوها لأنفسهم طيلة العقود الماضية؛ فجمال عبدالناصر الذي قام بإلغاء البشوية والبهوية والألقاب من أثرياء مصر وأعطاها تدريجيًا للعاملين في تلك المؤسسات.

الأمور بمنتهى البساطة أن مصر لن تتقدم سنتيمترًا واحدًا للأمام في حال ظل مؤسسات بعينها أكثر قوة من الدولة والشعب ذاته، فلا بد وأن ترضخ تلك المؤسسات للمواطن ومن يختاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد