قديمًا قالوا: الكيّس من اتّعظ بغيره  – حتي لو كان من غير جنس البشر – والغبي من اتعظ بنفسه. فخير عظة تلك التي نستقيها من التجارب والحياة، وقد طرح لنا القران أمثالًا كثيرة نعيشها أو نعيش معها، سواء كانت هذه التجارب من قبل الإنسان أو الحيوان أو غيره.

منذ حادثة قابيل إلى يومنا هذا، ودائمًا ما تعلّم بنو آدم من الحيوان، هذه المجتمعات الكبيرة التي أفرد الله لها سورًا في القرآن وما ذلك، إلا ليتعلم منها البشر، ويتخذ من تجاربها العبر والدروس، ولا ضير في ذلك.

لا شك أن المؤسسات الإسلامية – التي وُلِدت من رحمها – أصبحت الآن هشة تعاني من الضعف والوهن، وما ذلك، إلا لأن أبناءها تتبعوا خطوات العنكبوت، ولم يعتبروا به، فوقعنا فيما وقعت فيه حشرة العنكبوت: كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. صدق الله.

هذه الحشرة البسيطة تمتلك أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان! فخيط العنكبوت أمتن من نظيره من الفولاذ بخمسة أضعاف وأمتن من الكيفلار – المادة التي يصنع منها القميص الواقي من الرصاص – بعشرة أضعاف أنها تمتلك خيطًا يوصف بأنه أدق من الشعر وأخف من القطن وأقوى من الصلب، ومع امتلاك هذه الحشرة البسيطة لكل هذه القوه إلا أنها لا تستطيع أن تستوظف هذه المنحة الربانية العظيمة، لاشك أن شبكة العنكبوت واحدة من خوارق التصاميم، وأنها مخطط معماري مميّز، ولكن الحياة في هذا البيت هشة واهنة لا تدوم، فلا يقي حر شمس ولا زمهرير برد، ولا هطول أمطار، ولا غدو رياح، فهذا البيت لا يحمي من بداخله من أعدائه وأعدائهم.

إنني دائمًا ما أكون معجبًا بهذا الرجل القعيد الذي أقام الأمة الشيخ المجاهد الشهيد أحمد ياسين، هذا الرجل الذي لم يكن يمتلك شيئًا من مقوّمات النجاح سوى عقله وإيمانه، ومع ذلك نجح وحقق إنجازًا تفخر به الأمة، ودائمًا ما أتعجب من تلك المؤسسات التي تمتلك كل مقومات النجاح أنها تمتلك العقول والكفاءات والمواهب و… و… فضلًا عن امتلاكها للفرص الذهبية والجماهير، ومع ذلك فاشلة، فلا أرى لها شبيهًا إلا العنكبوت.

إن في نظرتي لمؤسساتنا اليوم أجد ما أراه في البيت العنكبوتي الذي يكشف ما بداخله بمجرد النظر إليه؛ لكبر المسافات البينية بين خيوطه، والمشكلة الأكبر داخل هذا البيت هو الوهن الاجتماعي، فهذا البيت يعاني من كثرة الخصومات الداخلية، والمعارك المتتالية بين أفراده، فهم متفرغون لأنفسهم لا لأعدائهم، فأنثى العنكبوت إذا وقع عليها زوجها وتمت عملية الإخصاب تهجم عليه وتقتله، ثم تتغذى عليه، ثم إذا باضت وقوي عود أبنائها يقتلونها ويتغذون عليها، ثم يتقاتلون ويتفرقون فلا يكون البيت مستقرًا، ولا يعيشون جماعات، ولا يؤسسون مجتمعًا، وهذا هو أبرز ما أصاب مؤسساتنا، فالجميع يبحث عن القيادة يتقاتلون من أجلها، ويتفانون في سبيلها، فما استطاعوا أن ينشئوا مجتمعًا واعيًا ولا أن يقيموا دولةً.

 إن من إعجاز القرآن إذا ذكر كائنًا من الكائنات، فإنه يسمي اسم السورة حسب عيشته، فإن كان يعيش في جماعات فيسميها بصيغة الجمع كـالنمل، النحل، المؤمنون… وإن كان يعيش منفردًا فيسمي السورة بصيغة المفرد كـالعنكبوت، الإنسان…

 قد يستغرب القارئ لأنني ذكرت (المؤمنون) في جانبٍ وكأنهم ليسوا من الإنس، ولكني أقصد أن الإنسان العادي يفترق عن أخيه، إذا اشتهيا شيئًا واحدًا، بل يتقاتلون، أما المؤمن الصادق المخلص فهو عكس ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد