أﻳﻬما ﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻪ أﻛﺜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ..ﺍﻟﻘﻠﺐ أﻡ ﺍﻟﻌﻘﻞ؟

هذا هو السؤال المنطقي يسأل لأي إنسان في مجتمع يعرف حقوقه وواجباته، ولكن في المجتمعات التي يسيطر عليها أناس لديهم شهوة السلطة والسيطرة يلغون فيها قيمة العقل أولًا قبل أي شيء آخر، يجعلون الجماهير تتحرك بعضلاتها عن طريق عواطفها، وليس عن طريق الفهم والإدراك، وهي من وظائف العقل الذي كرم الله به الإنسان، ويصبح المسيطر والمتحكم والفعال هو «النخاع الشوكي» يتحكم في العديد من وظائف الجسم، مثل حركات الأمعاء وحركات العضلات، قائم بذاته، وليس قائمًا بما يصدره العقل من إشارات، كالحيوانات تمامًا المحرك لها هو النخاع الشوكي فالله لم يخلق لها عقلًا من الأساس!

 

حينها تتحول الجماهير إلى حناجر تطلق نفس العبارات، وإلى نخاع شوكي في تحركاتها؛ فيصبح الفرد في المجموعة يتحرك حسب ما يراه إذا ذهبت الجماهير لليمين ذهب الفرد معها ودعمها، وكذلك إذا ذهبت الجماهير لليسار. يقول الرسول محمد: «لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن لا تظلموا»، الرسول هنا لا يقصد الإساءة بكلمة (الإمعة أي الحشرة) ولكن يقصد ألا تتشبه بتلك المخلوقات التي لم يخلق الله لها عقلًا تميز به بين الخبيث والطيب، فالنخاع الشوكي لا يميز أما الذي يميز ويختار هو العقل.

 

أنا ضد مقولة العقل الجمعي، ولكني مع وصف السياسة التي تحاك ضد الجماهير بـ«سياسة القطيع»، فالوصف هنا أدق يلغي وجود العقل غير الموجود فعلًا، ويجعل المتحكم فيه النخاع الشوكي، ومن يملك أمره الراعي، سياسة القطيع هدفها أن يتم تخدير العقل إلى أن يضمُر!

الوصول للمجتمع إلى أن يصبح قطيعًا كقطيع الحيوانات لا بد أن يمر بسياسة ويكتسب صفات القطيع، فالأمر من وجهة نظري يتم كالتالي: تقسيم الناس إلى طبقات أولها طبقة العامة، وطبقة النبلاء، وطبقة الأشرار، فطبقة العامة وتضم كل من يقتنع بسياسة القطيع طواعية، وإن كان نبيلًا، وطبقة النبلاء وتضم من يحتاجون إلى أن يقتنعوا بسياسة القطيع، وطبقة الأشرار وهم المارقون الذي يحاربهم الراعي ويعطلون عجلة الإنتاج!

تلك المراحل الثلاثة تتم بالتوازي، وفي وقت واحد، فتبني قاعدة العامة وقاعدة النبلاء وقاعدة الأشرار، وتُختبر تلك القواعد وتماسكها بمواجهة الأشرار، هؤلاء الرعاة أصبحوا أكثر ذكاء اليوم وأكثر إلمامًا بقواعد اللعبة النفسية، خاصة عند هؤلاء الذين لا يملكون أي هدف سوى تحقيق شهوتهم للوصول إلى السلطة، هنا يظهر الملكيون أكثر من الملك معلنًا نجاح سياسة القطيع!

 

ويوجه الراعي معظم نشاطه ضد هؤلاء المارقين لترويضهم، ولتخويف طبقة العامة والنبلاء من مصير من يحاول أن يتمرد عليه، خير توضيح لذلك ما أجراه عالِما النفس مارك سيليجمان، وستيف ماير عام 1965، تجربة ارتدت فيها ثلاث مجموعات من الكلاب أحزمةً، أُطلِقَت كلاب المجموعة الأولى بعد فترةٍ مُحدَّدة، دون التعرُّض لأذى، وجُمِعت كلاب المجموعة الثانية في ثنائيَّات ولُجِّمت سويًّا، وتعرَّض واحدٌ من كل ثنائي لصدمات كهربائية يمكن وقفها عبر الضغط على رافعة.

 

أمَّا كلاب المجموعة الثالثة فجُمِعت كذلك في ثنائيَّات ولُجِّمت سويًّا، وتلقَّى واحدٌ من كل ثنائي صدمات كهربائية، ولكن الصدمات لم تتوقَّف عند الضغط على الرافعة. كانت الصدمات عشوائية وبدت حتمية، ممَّا تسبَّب في «العجز المُكتسَب»، إذ افترض الكلاب أنَّه ليس هناك ما يمكن فعله لوقف الصدمات، ظهر على كلاب المجموعة الثالثة في النهاية أعراض الاكتئاب السريري. وُضِع كلاب المجموعة الثالثة لاحقًا في صندوقٍ وحدهم، ثم تعرَّضوا لصدمات ثانيةً، ولكن كان بإمكانهم وقفها بسهولة بالقفز خارج الصندوق، ببساطة «استسلمت» هذه الكلاب، وبدا عليهم ثانيةً العجز المُكتسَب.

 

ما حدث في الحقيقة هو أن الكلب، بدلًا من أن يتعلّم الفرار من الخطر، تعلّم الاستسلام له!

حسنًا الكل هنا خضع، الكل هنا استسلم، الكل هنا سيبحث عن نفسه وفقط. كنت اندهش كثيرًا عندما أقرأ ققص الأنبياء، وكيف الناس يكفرون بالحق وكيف النبي يسير وحيدًا غريبًا ويشفق على العدد القليل الذي آمن معه بأن يبقوا إيمانهم سرًّا، كيف وهو يعلنه لأنه يعلم أن لا أمان وسط التافهين سوى الكفر، وكيف لمن يكفر بالحق سوى أنه تافه يعيش من أجل سراب لا وجود له.

 

تلك السياسة ليست في السياسة فقط، بل هي لغة السوق الأولى حتى الأسواق العالمية الغنية!

 

ألم تسأل نفسك يومًا لماذا إعلان ساعة ثمنها 10 آلاف جنيه، أو سيارة ثمنها مليون جنيه، تُوضع إعلاناتها في جرائد وصحف لا يزيد ثمنها عن جنيه واحد فقط، جرائد معظم من يشترونها هم من العامة الذين لا يملكون إلا قوت يومهم!

 

دعني أجيب لك عن المغزى: هم يريدون من العامة معرفة الساعة الغالية واسم ماركتها ومميزاتها، نعم إنهم لن يشتروها ولكن سمعتها التسويقية المبهرة التي تجعل أي شخص غني لديه شهوة الظهور، وأن يكون محط أنظار الجميع، يشتري تلك الساعة على الرغم من أن أي ساعة أخرى رخيصة الثمن ستخبره بنفس التوقيت، ولكن تلك الساعة لغرض كلام الناس الذين تحركهم شهواتهم، ويتحكم فيهم النخاع الشوكي!

عملية معقدة يتم فيها تخدير العقل وتنمية الشهوات المحفزة لتنشيط النخاع الشوكي، وإن كانت بذرة الشهوة غير ناضجة يتم إنضاجها!

 

الأغلبية ليست على حق دائمًا

 

سياسة القطيع ليست بعيدة عن الديمقراطية، لن أضرب لك بالاستفتاء الديمقراطي الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا عن الانتخابات أيضًا الديمقراطية التي أتت بدونالد ترامب رئيسًا لأمريكا، ولكن دعني أخبرك بما فعله الدكتور «سولومون آش» في خمسينيات القرن الماضي، حيث أجرى عدة تجارب استهدفت دراسة تأثير آراء الآخرين في آرائنا، وتعبيرنا عنها من خلال إعطاء بطاقة مرسوم عليها خط واحد لثمانية أشخاص (سبعة منهم متعاونون مع الدكتور «آش» وواحد فقط هو المستهدف من التجربة)، ثم إعطاؤهم بطاقة أخرى عليها ثلاثة خطوط بأطوال مختلفة، وسؤالهم عن الخط الأقرب إلى طول الخط في البطاقة السابقة.

 

في ظروف طبيعية الخطأ في الإجابة عن السؤال 1% فقط، لكن هذه النسبة وصلت إلى 75% مع إضافة «ضغط الأغلبية» المتفقة على إجابة خاطئة، يزيد شك الإنسان في إدراكه الشخصي، أو قدرته على مواجهة الأغلبية به إذا وجد أن معظم الناس لا يتفقون معه، حتى لو كان الأمر واضحًا مثل طول الخطوط المستخدمة في التجربة.

يقول سيدنا علي بن أبي طالب: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه».

في السلام ختام

العجز المُكتسَب

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد