شهد الوطن العربي في الآونة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة العنوسة لتضاف هذه الظاهرة إلى سجل المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية ويدفع ثمنها الأجيال الشابة، ولأن نظام الزواج في هذه البلاد هو العلاقة المشروعة الوحيدة لتأسيس الأسرة وعجز الشباب في اتخاذ هذا القرار أدى إلى خلل كبير في بنى الأسر العربية؛ مما سبب آثارًا سلبية على الفرد والمجتمع.

إن مصطلح العنوسة هو مفهوم اجتماعي يطلق على من تجاوز عمره سن الزواج ولم يتزوج وهو مصطلح يشمل كلا الجنسين، إلا أن العرف الاجتماعي الجائر يحجمه في المرأة فقط بسبب محدودية عمر الإخصاب لديها مما جعل المدافعين عن المرأة يرون فيه انتقاصًا من مكانتها.

ولأن ظاهرة العنوسة تحتاج الكثير من الأبحاث والدراسات لتدارك تلابيبها سنسلط الضوء على الحالة السورية فقط لنرصد ما تسببت فيه الحرب من هذا الجانب.

فكما هي الحرب دائمًا تُسدد فواتيرها من جيوب المساكين، ومن لا حول لهم ولا قوة، كان للنسوة السوريات النصيب الأوفر من القهر والعذاب، غير النساء الأرامل والثكالى اللواتي اضطررن للخروج إلى العمل في ظل الفقر، وغياب الزوج، والابن، والأخ، هناك فئة منهن تعاني نوعًا آخر من الاضطهاد، وهو خيار العنوسة وعدم قدرتهن على تأسيس الأسرة.

حيث أشارت دراسة نشرتها صحيفة البعث الرسمية للعام الفائت أن نسبة العنوسة في سوريا تجاوزت 70%، وهي نسبة صادمة يمكن من خلالها استقراء المصاب الذي حل على كاهل الشباب السوري.

فقد ساهمت الحالة الاقتصادية المتدهورة وارتفاع سعر صرف الدولار الجنوني الذي تجاوز في شهر مايو (أيار) المنصرم 3500 ليرة سورية إلى غلاء المعيشة، وتضاعف الأسعار ليصبح أغلب السوريين دون خط الفقر، ويجد الشباب أنفسهم عاجزين عن تأمين المأكل والمشرب، فضلًا عن المسكن ومتطلبات الزواج؛ مما دفعهم إلى العزوف عن هذا القرار.

كذلك أدت الحرب إلى تفاوت كبير بين عدد الذكور والإناث لصالح الإناث حيث شهد عددهن ارتفاعًا كبيرًا، وبالرغم من تضارب الأرقام الرسمية وعدم التصريح عن الأعداد الحقيقة، إلا أننا نستطيع استقراء حالة التـأنيث التي أصابت المجتمع السوري من خلال رصد الاماكن العامة، والمدارس، والجامعات، والمؤسسات الحكومية، ومن المضحك المبكي أن صورة انتشرت العام الفائت على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان «وين الغلط»، وهي صورة لأحد مدرجات جامعة دمشق خلال محاضرة يتلقاها الطلاب، لكن الصورة ضمت ما يقارب المائتي طالبة دون وجود أي طالب بينهن، وبالرغم مما نالته الصورة من تعليقات ساخرة، إلا أنها تنطوي على الخطر الحقيقي لعدم التوازن بين أفراد الجنسين.

هذا الخلل أحدثته هجرة الآلاف من الشباب إما هربًا من الخدمة الإلزامية، أو من الإبادة التي طالت مدنهم، كما أن الحرب تسببت في موت الكثيرين، إما في ساحات المعركة، أو تحت القصف، أو تحت التعذيب، وقسم آخر لا يزال مغيبًا قسريًا في السجون، ولا إحصاءات حقيقية لعددهم، لتبقى القلة القليلة ممن لم يحالفهم الحظوظ للخروج من مستنقع الدم الذي تغرق فيه البلاد، واقعين بين سنداد العنوسة ومطرقة التنازلات، سواء ذكورًا أو إناثًا.

فمع تقدم العمر ومحدودية الخيارات قد تلجأ الفتاة إلى التنازل والقبول بخيارات لا تناسبها، كالزواج من رجل يكبرها بعشرات الأعوام، أو مشاركة الزوج مع امرأة أخرى، وتحمل ما يتبع هذا الخيار من مصائب لعدم وجود مقومات التوافق بين الطرفين.

كما دفع العوز والفقر الكثير من العائلات السورية، خاصة في المخيمات إلى تزويج بناتهن، والقبول بشروط المتقدم أيًا تكن؛ ليتحول الزواج إلى سوق للنخاسة، وتتحول الفتاة إلى سلعة تجارية تباع وتشترى.

ووفق الإحصائية المذكورة سابقًا في جريدة البعث فإن نسبة حالات الطلاق وصلت إلى 31% وزادت نسبة حالات الزواج الثاني بنسبة 40% بعد تساهل المحاكم الشرعية بشروط الموافقة على هذا الزواج، هذه النسب توضح الحال المزرية التي وصلت إليها المرأة السورية ومقدار السادية التي تمارس على حياتها وخياراتها.

كما أشارت دراسات على ازدياد واضح في حالات الزواج العرفي الذي يعتبر باطلًا قانونيًا ما لم يتم تثبيته في المحاكم، وبالتالي يعتبر وجهًا آخر لاضطهاد النساء، حيث لا ضامن لحقوقهن ما لم يتم تثبيت العقد.

وعلى الضفة المقابلة وجد الشباب أيضًا أنفسهم أمام خيارات أكثر سوءًا بعد وقوفهم عاجزين عن تأمين متطلبات الزواج والمسكن، أو فرصة للعمل؛ مما دفع البعض إلى العزلة أو تعاطي المخدرات، بينما اتجه آخرون إلى عالم الجريمة كما انضم عدد كبير في ميليشيات سورية، وغير سورية عُرف عنها مقدار الإغراء المادي الذي تقدمه للملتحقين بصفوفها مقابل تحولهم إلى مرتزقة مأجورين، وفي هذا الصدد أذكر تقريرًا أعدته صفحة السويداء 24 عن تجنيد القوات الروسية للشباب السوريين مع تنسيق مباشر مع السلطات السورية للقتال إلى جانب قوات خليفة حفتر ضد قوات حكومة الوفاق مقابل راتب يصل إلى 1500 دولار في حال الاشتراك بالعمليات القتالية.

إن مشكلة العنوسة هي مشكلة متجذرة، لكن الحرب زادتها بلة؛ مما يستلزم من الأسرة والمجتمع والمنظمات الأهلية مساندة شبابنا، ولأن المصائب لا تأتي فرادى فكيف هو الحال إذا كنا تحت نير الحرب، لكن الأمل يبقى في تعاوننا ومعاضدة بعضنا لمنع استنزاف ثروتنا الشبابية، وإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشاكل فهل من مجيب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد