أنهى خطيب الجمعة خطبته المعهودة كعادته، تحدث في الخطبة الثانية عن ويلات الأمة، وما يجرى لها من نكبات وعن حالها المأساوية، ثم جعل يدعو: اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين. وأعلِ يا مولانا كلمة الحق الدين. شاركه في دعائه ملايين المساجد على وجه البسيطة، رفعت تأمينات مئات الملايين التي رجت صلاح الأمة، وكانت دعواتهم تصدر من قلوبٍ مفطورة وأخرى قد عفا عليها الهم.

ألديك أدنى شك بألّا يستجيب الله من جموع المسلمين لمطلبٍ ودعاءٍ على قلب رجلٍ واحد؟! توحدوا على هذا الرجاء من الله ليقلب الله حياة المسلمين من شقاء إلى رخاء، ومن بؤس إلى هناء من ذلة إلى عزة، ومن ضعفٍ إلى قوة، أتملك أية شكوك في كون الله سيدخل قوته التى لا تنصاع لأي منطق أو قاعدة لتغير كل ما يجري في الأمة، جراء هذه الأدعية التى تخترق السماء كلّ يوم جمعة؟

اسمع يا بني، إن الله كتب علينا الدعاء في مناحي العبادات وجعله ركنًا أساسيًا، فالصلاة هي دعاء، والفاتحة ما هي إلا دعاء، والتسابيح والاستغفار والتناجي كله دعاء، وما كان رسولنا الكريم ينقطع عن الدعاء، ولكن الله قبل أن يكتب علينا الدعاء كتب علينا العمل، فعندما تعجز الأعمال الدنيوية عن القيام بالمهمة المرجوة تأتي نتائج الدعوى على شكل معجزات من الله لعباده الصالحين، فالله لم يسمّ المسلمين عند حديثه عن إجابة الدعوة ولا المؤمنين، بل عباده، حيث قال: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان)، وأعلم أنه كما خصّ عباده بإجابة الدعوة، وضح صفاتهم في كتابهِ عندما قال: (وعباد الرحمن الذين.. وذكر من الصفات 12 صفةً لعباد الله، على المؤمن أن يجدها فيه قبل أن ينتظر أن تستجاب دعواه).

نعم يا شيخ فهمت ذلك، ولكن تلك الدعوات المثقلة التي تحمل همنا لا أظن الله يركنها على الأعمال وحدها يا شيخ.

لقد علمت أنك يجب عندما تريد دعوة الله أن تكون عبدًا لله، ولكن الله عندما تحدث عن استجابته للدعوة ماذا قال؟
ماذا قال يا شيخ؟ (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ ). سمعت ماذا قال الله: (أني لا أضيع عملَ عاملٍ منكم)، وليس (أني لا أضيع دعاء داعٍ منكم).

ولكن يا شيخ لقد سمعت رسول الله يقول: (ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها).

وأنا يا بنى قد سمعت الله يقول: (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

يمكنني استنباطها يا شيخ، فعلى الرغم من قرب مكانة نبي الله نوح من ربه، إلا أن ابنه مخير وليس مسيرًا ليتبع طريق الضلال، سبحان الله يا شيخ لقد نهى الله نبيه نوحًا أن يكون من الجاهلين في الدعاء، ووالله إني أراه أمرًا عظيمًا، علينا التوقف عنده كثيرًا، ألا نكون من الجاهلين في الدعاء.

بنيّ إني سمعت الله يقول: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم، عندما علم إبراهيم عليه السلام حقيقة دعائه اعتزله ولم يصرّ عليه.

ويا بني نحن عندما نوضح هذه المسألة لا نشك في قدرة الله في إجابة الدعاء، بل نعظ الناس ليكونوا عاملين بالدعاء الذي دعا الله له، وألا يكونوا جاهلين في دعائهم، وأعلم أن الله إن لم يستجب لك بعد ذلك فسيعطيك أجرك وسيرد عنك كربة به وإذا توجهت بالدعاء لله فالتزم بفقه الدعاء.

وما هو فقه الدعاء يا شيخ؟

يقول الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فإذا دعوت الله يا بني فقل: اللهم أنا نسألك بأسمائك الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم أن كذا وكذا، وإذا دعوت الله فاحرص أن يكون مأكلك من حلال ومشربك من حلال، واياك أن تستعجل في إجابة الدعاء، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أنس رضي الله تعالى عنه: لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي.

وكن يا بنيّ مخلصًا في دعائك، وتذكر آل زكريا؛ إذ أثنى الله عليهم عندما قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).

وتذكر جواب إبراهيم بن أدهم عندما سألوه: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: 1 ـ لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه! 2 ـ وعرفتم الرسول، فلم تتبعوا سنته! 3 ـ وعرفتم القرآن فلم تعملوا به! 4 ـ وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها! 5 ـ وعرفتم الجنة فلم تطلبوها! 6 ـ وعرفتم النارفلم تهربوا منها! 7 ـ وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه! 8 ـ وعرفتم الموت فلم تستعدوا له! 9 ـ ودفنتم الأموات فلم تعتبروا! 10 ـ وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس!

والله يا بني لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاتقوا الله، والجأوا إليه ابتداءً، وفي كل نائبة، أو نازلة تنـزل بكم، بفرد أو بجماعة، تنـزل بكم في مال أو في ولد أو في صحة أو في صلاة.

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد