كلما تخلصت من صفة سيئة من صفاتي تصبح الحياة أكثر قرفا، لكن الجانب المضيء في هذا الأمر أنه ساعدني على فهم سر سعادة الأوغاد!

الأوغاد متشابهين، مهما اختلفت ألوانهم أو أديانهم أو تصنيفهم النوعي فهم نسخة مكررة للشخص ذاته، للفكر المتعفن ذاته، للأحلام العلفية ذاتها. ستكتشف بعد أن تتأملهم بالقدر الكافي بأن جميعهم يمتلكون البصمة النفسية والعقلية والأخلاقية ذاتها.

منطلقاتهم في كونهم أوغاد هي ذاتها وأهدافهم بنهاية الأمر هي ذاتها مهما ضللتك معطيات الاختلاف الوهمي بينهم، بل إن حتى مبرراتهم التي يبررون بها تلك الشرور لأنفسهم أو للآخرين هي ذاتها، لذلك مهما بدا لك في بداية الأمر بأنهم مختلفين إلا أنك ستكتشف في نهاية الأمر أنهم عبارة عن توائم روحية.

التوأمة الروحية هي ما ستبرر كيف للرجل ذي الجذور الصينية، والمتحكم في قوت آلاف القرى من حوله، ورغم أن أحدا من أجداده لم يغادر حدود سورها العظيم! لكنه يكاد يكون نسخة جينية أخلاقية لذلك الأفريقي المتحكم في جنوب القارة السمراء، الذي يُجبر بوصلة خطوط الإمداد لتصب في جنوبه الغاشم فقط، ولا عزاء للفيزياء أو الجغرافيا!

هذه التوأمة هي ما ستمكنك من التقاط التطابق الداخلي الذي قد يجمع أحد أثرياء النفط في تكساس أو أحد الأثرياء المهووسين بنهاية العالم من صناع القرار،بذلك الأعرابي المضطجع بنصف اتكاءة في الصحراء يفكر فيما يمكن أن يثير حماسته للعربدة والبذخ.

وهي كذلك ما سيساعدك لترى أن تلك الفنانة شديدة البياض رمادية العينين، التي أتقنت استثمار قضايا المعذبين والمضطهدين لتُثري مسيرتها الفنية، ليست سوى النسخة الروحية المطابقة لسمراء هندية تؤدي الرسالة نفسها التي تؤديها تلك الشقراء بأدوات تبدو مختلفة ظاهريا، لكنها تُفضي لذات النتيجة وتخفي ذات النوايا.

قد لا تلتقي هاتان المرأتان في مناطق البؤس والاستعراض، لكن الفرصة عالية جدا لأن تجمعهما الصدفة في الردهة المقابلة لحجرة خزائن الأمانات المخصصة في أكثر البنوك تأمينًا على مستوى العالم.

لا شك بأنها خسارة أن تغادر إحداهما الدنيا قبل اكتشافهما لحجم الرابط الذي يجمعهما، أظن بأنه علينا أن نبدي بعض التعاطف هنا ونرثي لهما، لا بد أن تلك الخسارة العظيمة لهما يمكن أن تندرج تحت باب الابتلاءات المقدرة على كل ابن آدم!

كل الأوغاد باختلاف مشاربهم ومنطلقاتهم وأهدافهم ومستوى تعليمهم أو ظنهم بأنفسهم، مهما علا تقديرهم لذواتهم، ومهما استحكم الوهم منهم حتى أقنعهم أنهم أكثر حضارة وأن لهم رؤية يعملون ضمن إطارها، كلهم متشابهين في واقع الأمر، جميعهم يعمل ويخطط ويحارب ليستمتع بتفاصيل يومه، مأكله ومشربه والعلاقات التي يصنعها مع من حوله. كل هذا الفيلم الملحمي صوروه لأنفسهم، كلاً حسب مستواه الحضاري لهدف

واحد فقط؛ إعطاء مسوغ آدمي للبهيمية التي يعيشون بها.

في الماضي كنت أشعر بالدهشة وأتساءل، لماذا ينافس الناس بعضهم بعضًا لأجل الطعام رغم أن جميع الأطعمة ستفضي بهم لذات الشعور بالشبع.

فالبطن حين تمتلئ ستعطي للدماغ إشارة بالشبع، تلك الإشارة هي ذاتها لن تختلف إن ملأ الإنسان بطنه بقطعة لحم مشوية أو برغيف مع الجبن، الإشارة لن تختلف لأن البطون واحدة وآلية الدماغ في إدارة الاحتياجات الفسيولوجية للبشر هي نفسها.

لكن الأرواح التي تتأثر بأحاديث النفس ورغباتها «العلفية» ليست واحدة، لذلك فالأوغاد لم ولن يفهموا مطلقا لماذا يُطرح سؤال كهذا، لأنهم مؤمنين تماما بأن العلم يدّعي ذلك، وسيبررون لأنفسهم بأن ثمة فائدة معينة سيجنيها القائلون بذلك العلم، وهم (الأوغاد)لم يعرفوها بعد.

لم أجد جوابًا لذلك التساؤل، فتتابعت الأسئلة كسيل جارف بعقلي. لماذا لا يكتفي الشخص المهووس بمتع الحياة بقدر معين منها؟

لماذا لا يكتفي الإنسان بقصر واحد، بطائرة وسيارة ويخت بمواصفات خاصة تشبع نزعته للتفرد العلفي؟

لماذا لا تكتفي امرأة بعدد محدود من المجوهرات، لماذا لا يكتفي التاجر ببضع ملايين الدولارات؟

لماذا تشعر هذه الفئة من الأرواح بالجوع الدائم والمستمر للاستغراق أكثر في احتكار الحياة، ولو كان الثمن أن يعيش الملايين حياة أشبه بالموت نظير أن يشعروا هم بالحياة كما تريد أرواحهم التي أسقمها علْفهم المستمر لها.

لماذا لا يوجد سقف لما يرغب به أحدهم من مباهج الحياة، هل للأديان علاقة بهذا السلوك لديهم مثلا؟

هل يريدون قصورا تبنى بلبنة من فضة وأخرى من ذهب، هل سيفكرون باستبدال التراب حولهم بالزعفران واللؤلؤ؟ أم أنهم يشعرون بأنهم من أهل النار حتما؛ لذلك قرروا تعويض أنفسهم سلفا.

الكارثة لو أنهم يظنون بأنهم من أهل الجنة حتما وكل مايفعلونه هو على سبيل البروفة للحياة فيها لا أكثر ولا أقل!

لم أجد إجابات شافية لتلك الأسئلة، لكنها أوصلتني لفرضية توأمة الأرواح التي منحتني القدرة على فهم الرابط الذي جمعهم رغم كل معطيات الاختلاف بينهم.

الشيء الذي تجاوز الفرضية لديّ وتحول لما يشبه اليقين؛ أن للأوغاد ملة واحدة وإن تعددت دياناتهم.

الجشع هو وثنهم الخفي الذي يتقربون إليه سرًا بالتنافس على أيهم أكثر أنانية، أيهم أكثر قدرة على أن يرمي بآلاف الأرواح في أتون الفقر والمرض والبؤس بدم بارد، فقط لأن عدد الأصفار في الجهة اليمني من رصيده لم يتحرك منذ شهرين أو ثلاثة، أو لأن السيدة حرمه تريد أن تقتني قطعة من الماس تساعدها على استعادة الشعور بالحماسة للحياة.

لا تشعروا بالدهشة لأسبابهم، فأنتم على الأغلب تظنون بأنها لا تكفي لتجوع بضع دول، تظنون بأنها ليست كافية ليموت عدة آلاف قهرا وتهجيرا وغرقا، ولتحترق عدة ملايين من العالم الثالث قهرا وحسرة، أنتم لن تفهموا أسبابهم، يالقسوتكم وبشاعة أرواحكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد