يعود إلينا مخرج أفلام ما وراء الطبيعة «مانوج نايت شيامالان» M. Night Shyamalan بتحفة جديدة يسكتشف فيها مساحة جديدة غير مطروقة على خارطة الإمكانيات البشرية المذهلة التي تبدو للبعض خارج نطاق الإمكان.

فيلم «انفصال» Split يحكي قصة الشاب «كيفين» المصاب باضطراب تعدد الشخصيات Multiple Personality Disorder، حيث تسكن داخله 23 شخصية مختلفة تماما، تظهر كل واحدة فيها بخصائص وسلوك وبروفايل مختلف تماما، فتارة هو «دينيس» شخصية قاسية موسوسة حليقة الوجه ترتدي نظارة طبية وملابس توحي بأنه موظف جاد، وتارة هو «باتريشيا» سيدة لطيفة ذات مظهر يليق بأم حنون أو مربية في مدرسة، وتارة أخرى هو «هيدويج» طفل متلعثم في التاسعة من العمر يحب الرسم والموسيقى الصاخبة، وتارة رابعة هو «باري» مصمم أزياء ذو لغة لبقة وحس فني عالي وذوق رفيع… وهكذا.

يلعب كل هذه الشخصيات المركبة، في دور على قدر كبير من التحدي، الممثل الأسكتلندي الشاب «جيمس ماكفوي» الذي تألق من قبل في أفلام هامة مثل The Last King of Scotland أمام الممثل الأسمر المخضرم «فوريست ويتيكر» الذي يحكي قصة الدكتاتور الأوغندي «عيدي أمين»، وفيلم Trance من اخراج الإنجليزي القدير «داني بويل»، ومعروف أيضا بأداء دور النسخة الشابة للبروفيسور «تشارلز اكسافير» في سلسلة الخيال العلمي X-Men.

ومن أجل القيام بمهمة ما مقدسة، يقوم كيفين/دينيس باختطاف ثلاثة فتيات في مقتبل العمر، وحبسهن في مكان ما غامض تحت الأرض يبدو وكأنه جزء من شبكة أنفاق تحتوي عدد كبير من الحجرات والممرات الملتوية الأشبه بالمتاهة والتي تجعل هروبهن مهمة شبه مستحيلة.

تستيقظ الفتيات الثلاثة «كيسي» و«كلير» و«مارسيا» بعد أن قام دينيس بتخديرهم ليجدن أنفسهن في حجرة نظيفة صغيرة موصدة ومؤمنة بعناية وملحق بها حمام صغير. ووسط جو من الرعب والحيرة يفاجأن تباعا بشخصيات كيفين التي تظهر عليهن من حين لآخر. يفتح الباب فيدخل دينيس بالطعام، ويحاول أن يجبر إحداهن بالرقص له. ثم تدخل باتريشيا بملابس نسائية، تنورة وعقد حول عنقها لتعتذر عن سلوك دينيس القاسي، وفيما بعد يأتيهن الصغير هيدويج ليحدثهن عن خناقة بين شخصيات دينيس المختلفة، وحول انتظارهم جميعا لوحش قادم – هو الشخصية الرابعة والعشرون لكيفين الذي تدور أحداث الفيلم بشكل كامل في انتظار ميلادها وظهورها الخارق – وأن دينيس اختطفهن كي يلتهمهن الوحش في النهاية.

ومن حين لآخر يذهب كيفين لمعالجته النفسية الدكتورة «كارين فليتشر» التي تتعامل مع حالته بقدر كبير من التفهم والمرونة، من أجل عزل كل شخصية على حدة، وفهم دوافعها ومخططاتها وإمكانياتها. تشعر فليتشر أن أمرا ما مقلق يدور داخل عمق نفس كيفين المضطربة، وخصوصا عند استقبالها مئات الرسائل الإلكترونية من شخصياته الأخرى تطلب منها المساعدة العاجلة من أجل أمر طارئ. ونفهم من فليتشر أن اضطراب تعدد الشخصيات هو أمر جدي للغاية، وأن بعض المصابين به يظهرون سلوكيات عصية على الفهم، فنجد شخصيتين مثلا لدى نفس المريض إحداهما تتكلم لغة ما، والأخرى تتكلم لغة أخرى بلكنة غريبة، ونجد شخصية تكتب باليد اليمنى، بينما الثانية عسراء، بل تجادل فليتشر زملاءها في المهنة بأن بعض الشخصيات قادرة على تغيير الكيمياء الداخلية للجسم، لدرجة أن مريضًا أعمى، استطاعت إحدى شخصياته التي طورها مع الوقت أن تدفع أعصاب البصر للنمو، فتمكنت إحدى شخصياته من الإبصار، بينما ظلت الشخصية الأخرى عمياء.

ثيمة التقاط عنصر ميتافيزيقي جدلي وتكوين قصة كاملة مثيرة حوله، هي إحدى خصائص المخرج شيامالان الهندي الأصل، فعلها من قبل في فيلمه الأشهر The Sixth Sense لبروس ويلز، حول وجود العالم الآخر وقدرتنا على التواصل مع الموجودات به. وفيلم Signs لميل جيبسون حول وجود كائنات فضائية وأيضا قدرتهم – وقدرتنا – على التواصل سويا، وفيلم Unbreakable لويلز أيضا وصامويل جاكسون حول ماهية البطل Superhero والفرق بينه وبين نقيض البطل الـ Supervillain، وحتمية وجود أحدهما ليكمل وجود الآخر. وأيضا فيلم The Village حول قيام فكرة الأساطير والخرافات والأفكار المفارقة في الأساس.

تمضي أحداث Split والمشاهد يغالب شعوره بالتحفز، وخصوصا مع موسيقى الفيلم المميزة – وهي الحقيقة ليست شريط موسيقى اعتيادي وإنما مجموعة من الأصوات المركبة بحرفية فائقة لتثير التوتر – لمعرفة كنه الشخصية الرابعة والعشرين لكيفين، وهل سيستطيع التحول لوحش ضخم بالفعل، قادر على التهام الفتيات، والركض بسرعة خارقة، وتسلق الجدران كالعنكبوت؟

وفي خضم ذلك تجتذب انتباهنا شخصيتان رئيسيتان، الدكتورة فليتشر نفسها التي يتعدى دورها المعالجة النفسية، وإنما تمثل شخصية العالم ذو الفضول القاتل، الذي يحول مريضه لشيء أشبه بفأر تجارب، يراقبه عن كثب ويتخطى معه الضوابط العلمية الآمنة (لكليهما)، وتدفع كيفين دفعا لكي يريها أقصى ما يمكن تحقيقه عبر شخصياته المتنوعة، كانت تؤمن أن المرضى باضطراب تعدد الشخصيات هم كائنات متفوقة تسمو عن البشر Superhuman، وكانت تسعى لإثبات ذلك بشكل علمي. مما كان يعني أنها ستضطر لمواجهة الوحش The Beast، عاجلا أو آجلا، وذاك خطر رهيب.

الشخصية الثانية هي الفتاة كيسي، التي على الرغم من الوضع المضطرب والمرعب، تظهر لنا عقلية منطقية ومرتبة للغاية في التعامل مع الأحداث ومع شخصيات كيفين المختلفة، لتستطيع مساعدة نفسها والآخريات على الهرب. كيسي هي نقيض كيفن على الإطلاق، والمكمل له، الـ Superhero على مستوى ما، مستوى النقاء الروحي المبني على عذابات طويلة عانت منها في طفولتها، يكشفها الفيلم تباعا للمشاهد.

الفيلم هو دعوة حقيقية لاكتشاف النفس البشرية وإمكانيات الجنس البشري اللامحدودة، بجانب الالتفات لأصحاب القدرات الخاصة، التي يطلق عليهم البعض مرض بالاضطرابات، وهو نفس الأمر الذي لفت فيلم بن أفليك الأخير The Accountant النظر إليه، عبر إلقاء الضوء على شخص متوحد مصاب بمتلازمة أسبرجر، ولديه أيضا قدرات استثنائية يستغلها في أعمال قتالية وعقلية فذة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد