الفيلم تدور أحداثه حول رجل يعاني من اضطراب الهوية الانفصامية (انفصام الشخصية) بوجود 23 شخصية مختلفة على الأقل بداخل عقله، من ضمنهم امرأة وطفل في عمر التاسعة، والذي أدى دوره «جيمس ماكافوي» باسم «كيفن» في الفيلم، وسأسرد في هذا المقال كيف رأيت هذا الفيلم ذات الصيت الواسع الانتشار، فلنبدأ معًا!

تبدأ الأحداث سريعًا، إذ يقوم كيفن بخطف 3 فتيات واحتجازهن في مكان، تبدأ الفتيات في محاولة الهروب التي تفشلها الشخصيات المتعددة لـكيفن، إذن القصة بالكامل بل وحبكة الحوار قائمة على فكرة «الخطف»، التي تبدأ بخطف الفتيات، ثم ننتقل بعد ذلك لنعرف أن الخاطف نفسه قد «خُطفت ذاته» من قبل الألم الذي أصابه نتيجة الإساءة التي تعرض لها منذ طفولته عبر أشخاص آخرين، فكان رد «ذات» كيفن أن تتمرد وتنتج شخصيات عديدة لتدافع عن نفسها، وتعلن عن نفسها ولا تسمح للآخر مهما يكن أن يُسيء إليها، بل وتلحق الأذي بالآخرين عبر «خطف أجسادهم» وإلحاق الألم بهم، فإذا كان الآخرون ليس لهم ذنب في هذا الألم الذي مر به، فهو أيضًا من وجهة نظره ليس له ذنب وتعرض للألم والإساءة منذ طفولته، فهو لا يتعاطف إلا مع من لحق به الألم فقط، الأنا التي التي تعرضت للظلم فتخرج لتدافع عن نفسها، الألم الذي هو بمثابة السياط على النفس، السياط المعنوية التي تستطيع أن تحول الإنسان إلى حد التطرف في السلوك، وكسر النمط السلوكي لأي إنسان مهما بلغت درجة تماسكه!

سؤال الفيلم هل سترد الظلم (الألم) بالظلم؟ بشكل أوضح، هل ستظلم من ظلمك؟

هل ستجعل الألم كأسًا يتجرعه كل من تطاله يداك لمجرد أن تجرعت الألم على يد الآخرين، فإذا ما كان الآخرون ليس لهم أي ذنب في دفع تكاليف «ألم»، ولم يكونوا يومًا مسئولين عنه لإيذائك، فالآخر أيضًا لديه سبب واحد كافٍ وهو أنه أيضًا لم يسبب لأحد ألمًا، ورغم ذلك لم يتركه الآخرون دون إيذائه حتى وهو طفل، وهنا يخرج سؤال آخر وهو هل ترد الظلم للشخص الذي ظلمك أم تجعله لكل من تواجه؟ سؤال وجهته لأحد النواب في أحد أقسام المستشفى التي أتدرب بها عندما حاولت أن أستوضح عن سبب خشونة المعاملة للنواب الجدد، قال لي بالحرف: «الكل اتعمل فيه كده، حتى أنا (قاصدًا نفسه) اتعمل فيا كده»، إذن هو يرد الظلم والألم الذي تجرعه من الشخص الأكبر منه علميًّا، يرده في الشخص الأصغر سنًّا، ولا يستطيع أن يرده للشخص الذي سبب له هذا الأمر!

كيفن بمرضه ذات الشخصيات المتعددة هو الحبكة، من يفك الحبكة إذن، ليست الطبيبة النفسية، فدورها في الفيلم ليس سوى مساعدة المشاهد لفهم شخصية كيفن، إذن من سيعالج كيفن؟

كايسي.. نعم كايسي!

كايسي التي عانت من نفس الأمر قبل ذلك وخرجت أقوى، هي التي ستعالجه بالقضاء تدريجيًّا على كل شخصيات كيفن، إلى أن تصل للمعركة الحاسمة، معركتها مع الوحش (الشخصية الأشرس داخل كيفن )، إما سينتصر الوحش، وإما ستتغلب عليه كايسي، لا تعادل في المواجهة، إما الفوز وإما الخسارة، ولهذا أعتقد وجود جزء ثاني لهذا الفيلم!

لهذا اللغز وحل اللغز متمثلان في نفس الفيلم كيفين وكايسي!

في النهاية أحب أبدي بعض ملاحظاتي على الفيلم من الخارج من وجهة نظري كمشاهد من ناحية الحوار والتصوير والإخراج وباقي الشخصيات في الفيلم، إذ أرى أن الحوار بدائي، ليس فيه تشويق لدرجة أنك ستتوقع ردة الفعل، فالمشاهد قائمة على الانفعالات، فهو ليس بفيلم رعب ولكنه يعتمد على الإثارة الفسيولوجية لتتفاعل مع الأحداث لتبقى مشدودًا طوال الفيلم، وهذا يفسر سر شهرة الفيلم واسعة الانتشار، لا يوجد سوى قليل جدًّا من العلم، فهو بالتالي لا بد أن يتم تصنيفه من ضمن الدراما النفسية، وليس من أفلام التي تناقش علمًا، وهذا استفزني بوجه الخصوص، فمثلاً عندما يلتقي طبيبته النفسية د. فليتشر بعد عملية الخطف نجد أنه ليس ذاك الخاطف ذا الصوت العميق؛ بل نراه يسمي نفسه باري، الشخص الراقي والحساس من عشاق الموضة الذي كان يزور الطبيبة فليتشر لسنوات في مشهد رائع لا يفسده سوى الحوار الركيك غير العلمي للطبيبة التي تعتمد في حوارها على أشياء غير علمية؛ لتواجه بها كيفن مثل أن كيفن حرك الكوب مرتين، وأن هذا يدل على مرض الوسواس، وأنه أرسل إليها الإيميل مرتين، ألا يوجد احتمال أنه يعدل من وضع الكوب باعتباره ضيفًا وأنه نسي أنه أرسل الإيميل فأرسله ثانية زيادة في التأكيد، مثل تلك الحوارت غير المهمة في نظر كاتب الحوار يلتقطها الجمهور المشاهد، ويبدأ في الحكم على من يعدل الكوب مرتين بأنه مريض وسواس، وأنك لو طلبت تأكيد شيء مرتين فهذا يعني أنك مريض فصام، حوار غير علمي مليء بالدراما التي تضر المستقبل، لا أعرف كاتب الحوار أدى بالممعلومة الغريبة هذه من أي كتاب أو صفيحة قمامة، في اللحظة التي يتقابل فيها شخصان يحاول كل منهما توقع صفات الآخر، والبحث عن دلائل على صفات معينة، فإن أبسط الأشياء يكون لها دور في الحكم، مثل الابتسامة أو تعديل الكوب، وأخيرًا إنه ليس كل شخص يصاب بالألم يصاب بالمرض النفسي؛ لذلك أرى أن الفيلم «مالفينست» أفضل الأفلام في توصيل هذا المفهوم، وهو تحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية.

هذا بالإضافة إلى أن الإخراج والتصوير والحبكة بجانب الحوار كلها في غاية السوء، ولم ينقذ الفيلم سوى شخصية كيفين وكايسي، شخصية كيفن التي تستحق الأوسكار بجدارة فهي من أنجحت الفيلم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد