مناقشة قضية انشقاق القمر علميًا وإسلاميًا ومنطقيًا وتاريخيًا

تناولت في الجزء الأول من هذه المقالة عدة جوانب، أولها منهج الإسلام في التعامل مع المعجزات، وأن الله لم يرسل معجزات مادية حسية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ثم تناولت بعدها الجانب العلمي فيما يخص انشقاق القمر بعيدًا عن تدليس البعض والتحدث باسم العلم وتقويل العلم ما لم يقله. ثم تناولت بعدها الجانب القرآني في انشقاق القمر خاصة أول آية في سورة القمر «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ». ثم في النهاية قمت بتفيد الأحاديث المتعلقة بانشقاق القمر وأوردت قول العلامة محمد رشيد رضا حين قال: «وخلاصة القول في أحاديث انشقاق القمر: 1- أنها أحادية لا متواترة. 2- ومتعارضة مختلفة، لا متفقة مؤتلفة. 3- وليس فيها حديث مرفوع إلى النبي. 4- وليس في الصحيحين منها إلا حديث واحد مسند إلى من صرَّح بأنه رأى ذلك.

انشقاق القمر تاريخيًا

أردت في هذا الجزء الأخير من المقال أن أناقش بعض ما قاله المخالفون لي في الرأي وهو قولهم بأن بعض الحضارات قد سجلت حادثة انشقاق القمر في تاريخها ورأوه بل وغيَّروا تقويمَهم بناءً عليه، كحضارة المايا مثلًا وحضارة الأزتيكس.
وأنا في الحقيقة عندي جوابان على هذا الادعاء.

أولًا: أنَّ هاتين الحضارتين كانتا تعتمدان في تقويمهما على الشمس وليس على القمر، فإذا انشقّ القمرُ أو لم ينشق فلن يعني لهم ذلك شيئًا؛ لأن تقويمَهم يعتمد على الشمسِ وليس على القمر، حتى أنَّهم كانوا يعتبرون الشمس إلهًا، وكانت السنة الشمسية عندهم تتكون من ١٨ شهرًا. ومن أراد أن يطلع أكثر فلينظر إلى حجر التقويم الذي استخدمته حضارة الأزتيكس حيث يضعون الشَّمسَ في منتصفه كإله، الرابط هنا.

الجواب الثاني: حتى لو لم يعتمدوا على الشمس واعتمدوا على القمر، فيستحيل أنْ ترى هاتان الحضارتان انشقاقَ القمر أبدًا؛ لأن فرق التوقيت بين هاتين الحضارتين وبين مكة يساوي ٩ ساعات. فإذا رأى أهلُ مكة القمرَ ينشقُّ في منتصف الليل، فيستحيل أن ترى هاتان الحضارتان انشقاق القمر؛ لأنه عندما تكون الساعة في منتصف الليلة في مكة، ستكون الساعة عندهم هي التاسعة صباحًا. وإذا كانت الساعة في مكة في الحادية عشرة ليلًا، ستكون عند هاتين الحضارتين في الثامنة صباحًا.

وأريد هنا أن أذكر أقوى حجة للرد على هذا الادعاء، فكما يقولون إن أقوى البراهين هو البرهان الرياضي، فتعالوا بنا لنناقش الرأي القائل بأن حضارة المايا حددت اليومَ الذي انشق فيه القمرُ.

يقول الباحثون المسلمون(١)

 أحد المواقع التاريخية المتخصصة في حضارة المايا في أمريكا الجنوبية: كان هذا المقال الغريب الذي يؤكد وقوع انشقاق للقمر بالفعل في نفس وقت وجود النبي في مكة وأن أغلب الأمم الموجودة ساعتها رأته بل وقامت بتغيير تقويمها الفلكي بسببه!!! والمقال بعنوان: «The Split Moon of the Madrid Codex and Persian Manuscripts» أو :القمر المنشق في وثائقيات مدريد والمخطوطات الفارسية. وبالطبع عندما كتبوا هذا المقال : لم يكن يدور في بالهم أنهم يثبتون بذلك إحدى أشهر معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم!! ولذلك تم حذف الرابط بعدها وتغيير عنوانه على الموقع: 54 مرة! وذلك من تاريخ 31-8-2000م إلى 16-7-2014م مع عدم وجوده الآن أصلا!! هذا رابط المقال الأصلي الذي تم تغييره كثيرًا وحذفه للأسف بعدما اكتشفوا حجم الضجة التي تسبب فيها لصالح المسلمين، وهذا رابط موقع (أرشيف النت) الرائع الذي يُسجل نسخًا من صفحات الإنترنت -إ ذ هذا رابط نسخة من صفحة المقال (تعديل بتاريخ 28-10-2011م).
والسؤال : هل يمكن معرفة توقيت ذلك الانشقاق بالضبط ؟
يجيبنا المقال بالصدمة التالية صدمة للمعاندين طبعًا وليست لنا: في أعلى الصفحة 139 من منتدى مايا الهيروغليفي في عام الـ1997م تم إدخال أعداد النقطةَ والشرطة أُدخلا كتصحيحات لقممِ الأعمدة الأخرى على أساس سلاسل العدد، تأريخ الأول (والذي أظن، كان التغيير الأصلي) 9.9.9.16.0 أَو التأريخ الغريغوري من 9 فبراير (شباط) 623 (حسب تأريخ جوليان سدس فبراير (شباط)، بأن السنة نفسها). وهنا نذهل من هذه الدقة!! فهذا التأكيد في المقال على العام 623م يوافق مكوث النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل في آخر حياته بمكة قبل الهجرة مباشرة!! لاحظوا أن النبي ولد بمكة عام 571م وهاجر للمدينة 624م وتوفي 634م ! فالنبي عاش 63 عام وحتى الذين يجعلونه قبل ذلك بسنة لفارق الهجري عن الميلادي أو لقلة الدقة في ذلك الوقت في نهايات الأعوام فيكون النبي: ولد بمكة 570م وهاجر للمدينة 623م وتوفي 633م!! وهو ما يتماشى مع نفس التاريخ المذكور بالضبط من المقال!! أي هو نفس التاريخ المتوقع لحدوث واقعة انشقاق القمر في أواخر سنوات مكوث النبي بمكة!!».

وأريد أنْ أردَّ على هذا الكلام أيضًا بجوابين:

بدايةً، هناك تناقض بين القول القائل بأن انشقاق القمر حدث في السنة الخامسة قبل الهجرة، وبين هذه الكلام القائل بأنه حدث عام 623 ميلاديًا أي قبل عام واحد من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجعل هذه المرويات ليست صحيحة مقارنة ببعضها البعض.

الأمر الآخر هو أن الباحثين المسلمين بنوا هذا التصور على أن الهجرة كانت في عام 624 ميلاديًا، وأن هاتين الحضارتين سجلتنا انشقاق القمر عام 623 ميلاديًا فبالتالي يكون تسجيلهم موافقًا لتوقيت ما قبل الهجرة، وهذا غير صحيح؛ لأن الهجرة كانت في عام 622 ميلاديًا وليست 624 ميلاديًا(2)، فإذا شاهدت الحضارتان انشقاق القمر عام 623 فهذا يعني أنه كان بعد الهجرة وليس قبلها، وبذلك يكون هذا التاريخ حجة عليهم وليس حجة لهم.

ثانيًا: دعني أُسلِّم بصدق هذا الكلام الذي نقلته حضارة المايا، وهو أنَّ القمرَ قد انشقَّ في يوم 9 فبراير 623 ميلاديًا، وهو يقتضي في هذه الحالة أن يكون القمر بدرًا كما جاء في بعض الروايات التي تتحدث عن أن القمر قد انشق في منتصف شهر ذو الحجة. فإذا كان الله قدَّر للقمرِ منازلَ، فدعونا نرى كيف كانت منازل القمر في هذا اليوم تحديدًا.
فبعد أن وصلنا بالعلم هذا المبلغ العظيم، حتى استطاع العلماء حساب كل شيء بدايةً من أول ثانية في الانفجار الكوني والتي كانت منذ ما يقرب من 13.8 مليار سنة، فصار من السهل جدًا حساب أطوار القمر منذ مئات السنين.

وهنا أرجع إلى حسابات مركز الفلك الدولي لنرى هل كان القمر بدرًا في هذا اليوم أم لا؟
تواصلت معهم، وطلبت منهم أطوار القمر في كل شهر في عام 623 ميلاديًا، فوجدت أن القمر في يوم 9 فبراير من هذه السنة لم يكن بدرًا، وإنما كان في رابع يومه بين الهلال والتربيع الأول، وهو ما يؤكد خطأ هذا الكلام وبطلانه.

وأقول في النهاية: بناءً على كل ما أوردته هنا في حجج وبراهين، فمن وجهة نظري أنَّ هذه الآية تتحدث عن انشقاقِ القمر الذي سيحدث عند قيامِ الساعة، كما قال اللهُ في سورة القيامة «وجُمِعَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَومَئذٍ أَيَنَ المَفَرُّ».

وعليه، فأنَّ القمرَ لم ينشقْ وإنما سيكون انشقاقه من علامات الساعة التي ستحدث يومها في المستقبل

1- هذا ما كتبه الباحثون المسلمون في مقالهم «هل لانشقاق القمر من شواهد علمية وتاريخية؟»
2- الرحيق المختوم، ص 127

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد