مناقشة قضية انشقاق القمر علميًا وإسلاميًا ومنطقيًا وتاريخيًا

من وجهة نظري، إن ما يُميِّز الإسلام بوصفه رسالة خاتَمة -أو خاتِمة- أنه لا بد وحتمًا أن يكون اهتمامه بالعقل أكثر من اهتمامه بالمعجزات المادية الحسية. وإذا كان صِدْقُ الأنبياء من قبل مُعتمدًا على المعجزات؛ فهذا يرجع في نظري إلى أن العقل الإنساني لم يكن قد اكتمل بعد. فبعدَ هذه الحضارات على مدار آلاف السنين من عُمر الإنسان العاقل على الأرض شُكلَّت نظريته المعرفية، بحيث يكون اعتماده بشكل كامل ووحيد على العقل؛ لذلك كان لا بد وحتمًا أن تكون آخر رسالة للبشر هي رسالة قائمة على العقل والمعرفة والبرهان.

ولكن هذه الصورة عالية الفكر لا تحلو لبعض الناس؛ ربما لأنهم لا يزالون يفكرون كما كان يفكر البشر في مرحلة ما قبل التاريخ؛ فبدل من اعتمادهم على الحُجج العقلية صار اعتمادهم على المعجزات التي بدورها تُعجِزُ العقلَ، بل إن هذا النمط الرجعي من التفكير هو ما طلبه المشركون من رسول الله، ألحُّوا وأطالوا الإلحاح على أن يأتيَهم بآية خارقةٍ للعادة. «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا»، «وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ»، «فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ»، «وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ». وكان الجواب ثابتًا رغم هذا الإلحاح الشديد، أنه لا معجزات حسية في الإسلام ليأمر الله رسوله أن يجيب عنهم «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا».

حتى أنَّ الصحابة أنفسهم تأثروا بهذا الخطاب وطلبوا من النبي معجزاتٍ حسية، ويستمر الجواب من الله في ثباته ووحدانيته أنه لا معجزات حسية سأفعلها، وما أدراكم -مخاطبًا الصحابة- أنَّ المشركين سيؤمنون إذا أتيتهم بمعجزات؟ «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُون».

لم تنتهِ القضية عند طلب المشركين معجزاتٍ حسية، ورفض الله طلبهم، ولا حتى طلب الصحابة ورفض اللهِ طلبهم، بل حتى أن النبي نفسه ضاق بهذا الطلب وتمنَّى لو يُجري الله على يديه معجزة يُسكت بها الكافرين، فإذا الجواب الصادم شديد اللهجة يأتي إليه من الله عز وجل «وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ».

لتأتي الآية الحاسمة التي تُغلق البابَ على هذه القضية تمامًا ويقول الله «وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا» أي أنَّ اللهَ لم ولن يرسل معجزاتٍ حسيةً؛ لأن الأولين كذَّبوا بها، وليؤكد اللهُ بأنِّ المعجزةَ الباقيةَ لسيدنا محمد هي القرآن كما جاء في قوله «وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»، مستنكرًا بأنه ألم يكف هؤلاء أن القرآن هو الرسالة وهو المعجزة الوحيدة الخارقة!

والآن بعد هذه المقدمة الطويلة والتي لا مندوحة عنها نأتي لنفكر مليًا حول معجزة انشقاق القمر، وهنا أريد أن أتناول جانبين: الجانب العلمي، والجانب الديني.

العلم وانشقاق القمر

ودعوني أبدأ بالجانب العلمي، والسؤال الآن الذي يفرض نفسَه: هل يوجد دليلٌ علمي على أنَّ القمر قد انشقَّ في أي وقتٍ سابق؟

دعنا نأخذ الإجابةَ من أفضل منظمة على وجه الأرض في علوم الفضاء، وهي وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»،

ناسا تجيب عن هذا السؤال بشكل واضح على موقعهم قائلين بالحرف الواحد «No current scientific evidence reports that the Moon was split into two (or more) parts and then reassembled at any point in the past»؛ أي أنه لا نملك الآن أي دليل علمي يقول بأن القمر قد انشق إلى جزئين -أو أكثر- وأُعيد مرةً ثانية، في أي وقت في الماضي. (1)

وفي الحقيقة تتبعتُ بعض المواقع التي تُعطي صورًا لانشقاقات موجودة في القمر، وللأسف لم يكونوا صادقين؛ فهي صور لأودية في القمر، وقرَّبوها، ليُظهروها للناس على أنها انشقاقات، وهي في الحقيقة صور لأودية عادية جدًا.

ولكن يستطيع أن يقول قائل: ولكن حتى لو لم يوجد دليل علمي، فهذا لا ينفي أنَّ القمرَ قد انشق من قبل، فمثلًا نحن نؤمن بانشقاق البحر لسيدنا موسى، مع أنه لا يوجد دليل علمي على ذلك، وأن الذي شقَّ البحر قادر على أن يُعيده مرة أخرى، كذلك الذي شقَّ القمرَ قادرٌ على أنْ يُعيده مرة أخرى.

وفي الحقيقة هذا سؤال مشروع من الناحية المنطقية، وهو ما سيقودنا إلى الجزء الثاني وهو الجانب الديني الآن؛ لنوضح تهافته من الناحية الدينية، ولكن أردتُ فقط أن أوضح أنه لا يوجد أي دليل علمي على انشقاق القمر، وأن من يدعون ذلك مخطئون، كي ننتهي من الجانب العلمي ولا يتحدث أحدٌ باسم العلم مرةً ثانية.

منهج الإسلام في التعامل مع المعجزات

وهنا نعود إلى المقدمةِ التي ذكرتُها في البداية، لقد سأل المشركون النبي أن يأتيَهم بمعجزة فرفَضَ الله طلبَهم، وسأل الصحابة أيضًا فرفض اللهُ طلبَهم، حتى تأثِّر النبي نفسُه، فعاتبه اللهُ بأسلوبٍ شديد اللهجة، وقال له لا تستمع إليهم وإلا ستكونن من الجاهلين. فما الذي تغيِّر فجأةً ليستجيب اللهُ لهم ويأتيهم بآية؟

لقد سأل المشركون النبي أنْ يُحوِّل لهم جبل الصفا إلى ذهب، فأجاب اللهُ نبيَه قائلًا: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. فقال النبي: يا رب باب التوبة والرحمة.(2)

لم يطلبوا فقط أنْ يُحوِّلَ لهم جبلَ الصفا إلى ذهب، ولكنهم طلبوا أيضًا معجزاتِ أخرى كما جاء في سورة الإسراء، طلبوا أنْ يفجر النبيُ لهم من الأرضَ ينبوعًا، وأن يُسقط عليهم السماءَ كسفًا، أو أن يأتي بالله، أو أنْ تكونَ له جنةٌ من نخيل وعنب، أو أنْ يرقى في السماء وينزل لهم من السماء كتابًا، فكان الجواب عن كل هذه المعجزات بالرفض «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا».

فلماذا لم يستجب اللهُ لهم في أي معجزة طلبوها أبدًا، واستجاب لهم فقط في انشقاق القمر؟

سؤال مُحيِّر، ويجيب بعضهم، لم يستجب الله لهم؛ لأنهم هم مِن طلبوا المعجزةَ، وأنِّ الآية التي تقول «وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ» الباء هنا في كلمة «بِالْآيَاتِ» تدل على آياتٍ مُعينةٍ هُم مَن طلبوها؛ ولهذا لم يستجب الله لهم. أما في حالة انشقاق القمر، فهم لم يطلبوا انشقاق القمر بعينه، وإنما طلبوا آية دون أن يُسمُّوها، ولهذا اختار اللهُ من عنده أنْ يشق القمَر؛ لأن الله لا يريدُ أن يشترطَ الناسُ معجزةً عليه. وأردّ على هذا الكلام بجوابين. أولًا: قضية أنِّ اللهَ استجاب لهم؛ لأنهم لم يُسمُّوا آيةً بعينها ليست صحيحة؛ لأنهم قد طلبوا أي آية دون أن يُسمَّوها، ولم يستجب الله لهم أيضًا «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ» هنا طلبوا آية دون تسميتها، وأيضًا لم يستجب الله لهم.

أما الجواب الثاني في قضية أنه ليس لأحدٍ أنْ يشترطَ وأنْ يُحدد معجزةً يفعلها اللهُ، فهذا غير صحيح أيضًا؛ لأن قوم سيدنا عيسى اشترطوا معجزة بعينها وسمُّوها له، وفعلها الله لهم: «إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ» اشترطوا آيةً مُعيِّنةً، وسمُّوها، ومع ذلك استجاب الله لهم وقال: «قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ».

وهنا أريد أن أسأل: إنَّ اللهَ وضع قانونًا في كل المعجزات التي أرسلها، وهو أن الله سيستجيب للناس، وإلم يؤمنوا ويصدقوا المعجزةَ، سيكونون بذلك مستحقين للعذاب، وسيُنزل عليهم العذابَ. كما حدث مع ناقة صالح، وكما حدث مع الحواريين، بل كما قال الله في الحديث الذي ذكرته آنفًا حين أتى جبريل النبي فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة؟ قال: «يا رب باب التوبة والرحمة». فقد وضع الله شرطًا وهو حين يصنع لهم المعجزة، سينُزل عليهم العذاب إذا لم يؤمنوا. والغريب في معجزة انشقاق القمر التي يروي البعض أنها حدثت مرتين – كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه- لم يؤمن بها ولا شخص واحد، بل لم يؤمن بها نصف شخص حتى، ومع ذلك لم يُنزل عليهم العذاب!

القرآن وانشقاق القمر

ولكن ماذا نفعل في قول الله «اْقَتَربَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ» أليس دليلًا على انشقاق القمر؟

في الواقع هي ليست دليلًا؛ فوجود الفعل في الماضي لا يدل على أنه قد حدث بالفعل في الماضي، بل القرآن يستخدم الأفعال الماضية ليُعبِّر عن أشياءٍ ستحدث في المستقبل، فالله ليس عنده زمن، وليس محكومًا بزمن، كما قال «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكَ صَفًّا صَفًّا» والجميع يعلم أن الله سوف يأتي هو والملك يوم القيامة، ويوم القيامة لم يحدث إلى الآن، ومع ذلك استخدم الله الفعل في صيغة الماضي وقال «وَجَاءَ» وكما ذُكِرَ في قوله تعالى أيضًا «أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ «…وقِسْ على ذلك الكثير.

هذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن انشقاق القمر، بل حتى منذ القدم، ولم يجمع المفسرون على أن القمر قد انشق بالفعل، وقد أنكر انشقاق القمر الحسن، وعطاء، والنظَّام، والمراغي، ومحمد رشيد رضا، ومصطفى محمود، ويقول القرطبي في تفسيره «وقال قوم: لم يقع انشقاق القمر بعد، وهو منتظر. أي: اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر، وأن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماوردي: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية. وقيل: وانشق القمر أي وضح الأمر وظهر؛ والعرب تضرب بالقمر مثلًا في ما وضح.«

أما من حيث الآية :«اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ»، فالإخبار بالانشقاق جاء إثر الكلام على قرب مجيء الساعة، فالظاهر تجانس الخبرين، وأنّهما خبران عن قيام الساعة، فالمعنى المتسق أكثر أنه نبأ عن انشقاق القمر قبل قيام الساعة. ومن عادة القرآن أنه يعبِّر عن علامات الساعة المستقبلية بصيغة الماضي للدلالة على يقين الوقوع، كأنه قد وقع بالفعل، فقال: «إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ»، «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ»، «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ»، ولم يدَّع أحدٌ أنَّ السماءَ انشقت، ولا الشمس كُورت، ولا الفزع وقع.

يقول سيد قطب: «القول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين آية – أي خارقة- يبدو بعيدًا عن مفهوم النصوص القرآنية، وعن اتجاه هذه الرسالة الأخيرة إلى مخاطبة القلب البشري بالقرآن وحده وما فيه من إعجاز ظاهر».(3)

«ويقول المراغي: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» أي وسينشق القمر وينفصل بعضه من بعض حين يختل نظام هذا العالم، وتُبدَّل الأرض غير الأرض، ونحو هذا قوله:( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) وقوله:( «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ»، وكثير غيرهما من الآيات الدالة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم وقرب قيام الساعة».(4)

انشقاق القمر في المرويات

ولكن قد يقول قائل: لدينا أحاديث كثيرة في الكتب الصحاح تُثبت انشقاقَ القمر، وأنا في الحقيقة تتبعتُ كل الأحاديث التي رُوي فيها حادثة انشقاق القمر، فإذا جميعها في النهاية تعود إلى خمسة من الصحابة هم:

١- عبد الله بن عباس. 2- عبد الله بن عمر. 3- أنس بن مالك. 4- جبير بن مطعم. 5- عبد الله بن مسعود.
فإذا كان القمر قد انشق في السنة الخامسة قبل الهجرة كما ذكر محمد بيرم الخامس التونسي في كتابه «صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار» الجزء الثاني ص 249 على لسان خالد بن سنان أنَّ القمرَ قد انشق في السنة الخامسة قبل الهجرة، فتعالوا بنا لنعرف كم كان عُمر هؤلاء الصحابة في هذا التوقيت؟ ولنبدأ بسيدنا عبد الله بن عباس.

وُلد سيدنا عبد الله بن عباس قبل هجرة النبي بثلاث سنين، أي إن حادث انشقاق القمر حدث قبل أن يولد أصلًا. أما سيدنا عبد الله بن عمر، وسيدنا أنس بن مالك، فقد وُلدوا قبل الهجرة بـ10 سنين، أي إنه وقت انشقاق القمر كان عُمر الواحد منهم خمس سنوات، فكيف يرون حدثًا لم يعقلوه عقل الرجل الواعي الكبير المُدرك للأمور؟ أما الصحابي جبير بن مطعم، فقد أسلم في السنة السادسة من الهجرة، والحديث الذي رواه ليس عن النبي، وإنما عن أبيه «مطعم بن عدي»، وأبوه مات كافرًا، فكيف يأخذ المسلمون حديثَهم من شخص كافر؟ إذا كان علماء الحديث اشترطوا أن يكون الشخص عدلًا حافظًا ثقةً، وإذا لم يكن المسلم ثقة لم يأخذوا منه حديثًا، فكيف بالذي لم يُسلِم أصلًا ومات على غير ملة الإسلام؟!

لم يتبقَّ إلا سيدنا عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- وحين تتبعت أقوال أهل الحديث في انشقاق القمر، وجدتهم يعتمدون على حديث سيدنا عبد الله بن مسعود؛ لأن جميع الصحابة لم يشاهدوا انشقاق القمر إلا سيدنا عبد الله بن مسعود هو الوحيد الذي رآه – حسب قولهم- وحين عدت إلى رواية عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- فلم تذكر الرواية أنه رأى انشقاق القمر بعينه، وإنما كانت حكايةً فقط، بل لم يروِ إلا شخص واحد فقط هذه الرواية عن سيدنا عبد الله بن مسعود، بل الأدهى والأمرَّ أن مِن رواة الحديث هو مجاهد بن جبر، الذي اُشتهر بالإتيان بالغرائب.

وعليه، فإن الأحاديث الواردة في انشقاق القمر، لم يشهدها أحدٌ من الصحابة، ولم يرها واحد منهم رأي عين. بل حتى إذا اعتبرنا أن سيدنا عبد الله بن مسعود شهدها، ففي النهاية ستكون الرواية من روايات الآحاد التي لا تفيد اليقين، وإنما تفيد الشك والظن، وحتى هذه الرواية التي لا تُفيد اليقين، لم يسلم رواتُها من الضعف، ناهيك عن تناقض هذه الروايات بعضها مع بعض، فمرة يقولون إن القمر قد انشق وهم في مكة، ومرة يقولون بل انشق وهم في مِنَى.

يقول محمد رشيد رضا: «خلاصة القول في أحاديث انشقاق القمر:

1- أنها أحادية لا متواترة. 2- ومتعارضة مختلفة، لا متفقة مؤتلفة. 3- وليس فيها حديث مرفوع إلى النبي. 4- وليس في الصحيحين منها إلا حديث واحد مسند إلى من صرَّح بأنه رأى ذلك، وفيه من الاختلاف ما أشرنا إليه في محله؛ ولكن ليس فيه أن انشقاقه كان بطلب من كفار مكة. 5- وحديث أنس الذي صرَّح فيه بذلك مُرسَل، والأصل في المُرسَل أنه من المردود غير المقبول. 6- وعلى ذلك معارض بنص القرآن وسنة الله في الرسل وأقوامهم، والحديث المتفق عليه في حصر آية نبوته في القرآن وهو قوله: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ»(5) (6).

يتبقى لدينا سؤال أخير: يقول بعضهم إن بعض الحضارات شاهدت انشقاق القمر وسجلته في مخطوطاتها، بل غيرت تقويمها بناءً عليه، فبماذا ترد على ما شاهدته هذه الحضارات؟ وسيكون الجواب في الجزء الثاني من هذه المقالة إن أحيانا الله.

(1) https://sservi.nasa.gov/?question=evidence-moon-having-been-split-two
(2) رواه الحاكم في المستدرك برقم 3278.

(3) «في ظلال القرآن» ج27 ص3426 لم ينكر سيد قطب انشقاق القمر تمامًا، بل استبعد أن يكون معجزة.

(4) «تفسير المراغي» ج27 ص76

(5) «صحيح البخاري» ص1273 رقم «4981»

(6) «مجلة المنار» ج30 ص361

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد