غالبًا حتى وإن كنت تجاوزت العشرينات من العمر، فلا بد أنك شاهدت مسلسل الكرتون السخيف الذي حضره الجميع “سبونج بوب”، فعلت أنا ذلك ولا زلت أفعل وأكرر مشاهدته وأشعر بالسخف. على أية حال هل تذكر صديقته ساندي السنجابة البنية القادمة من الأرض إلى أعماق البحر، إنها تسكن فقاعة “بيتها الزجاجي”، فقط ضعها في حسبانك وتذكرها حتى النهاية. بمناسبة ذكر سبونج بوب هل تعلم أنك تشبهه؟ نعم أنت؟ نعم، وأنا كذلك.

 

 

منذ اللحظة التي خرجنا فيها لهذا الكون بدأت رحلتنا داخل فقاعة، لا أعلم مدى قوتها، ولكن أجزم أنها قوية كفاية، لأن كثيرًا منا لم يفقع هذه الفقاعة. فجأة ودون سابق إنذار تجد نفسك في مكان ما يسمى “عالم الإنسان” تحمل اسمًا خاصًّا بك، وتحمل اسم والدك، تدين بديانة معينة أو لا تدين، تعيش في أسرة غنية أو فقيرة، كل ذلك لم يكن باختيارك أبدًا. تبدأ مسيرة حياتك بالدوران، فتقف لتدافع عن اسم لم تختره، أو دين وجدت عليه والديك، أو مثلا معتقدًا تعلمته في المدرسة، وتبدأ عملية الحشو في فقاعة دماغك، تعتقد أنك ذكي كفاية فتتحدث بها وتناقش وتدخل في سجالات طويلة، كأنك خرجت بها من العدم وأنك صاحب هذه الفكرة. قدرًا أنت تعيش في فقاعتك التي خلقت معك، أنت لست ذكيًا، أنت لا تتحدث إلا بما وجد مسبقًا في فقاعتك من المدرسة والكتب والأسرة والمجتمع المحيط بك، كرجل آلي تمامًا لا يتحرك إلا بالمعلومات التي وضعت في فقاعته.

 

قبل أعوام ليست ببعيدة حينما دخل الفيسبوك العالم الافتراضي ليكون جزءًا من العالم الواقعي، اعتقدنا أن الفقاعة قد تم فقعها، وأننا استطعنا أن نحدث ثورات، ونقرر من نحن وكيف ولمَ نحن هنا؟ ظاهريًا يبدو أننا تحررنا من الفقاعات. لكن هل تعلم أن الفيسبوك أيضًا يضعك في فقاعة؟ فيسبوك في خوارزمياتها الجديدة وضعتك في فقاعة محيطك، فأنت من البلد الفلاني، لا تحب السياسية، تعشق الكتب، لا تحب كرة القدم، فيسبوك يعرف فقاعتك أكثر منك ويقدمها لك ويخفي فقاعات العوالم الأخرى مثل نكبات الشعوب والمشاكل السياسية ومباريات كرة القدم، التي لا تحبها.

إنه يخدم فقاعتك الخاصة. لو سألت شخصًا في الصين عما يحدث في العالم، لن يجيبك. فحكومته وضعته في فقاعة بعيدًا عن الفيسبوك الذي لازال محظورًا حتى اليوم. العالم لم يصبح قرية صغيرة على الإنترنت كما تظن، بل أنت أصبحت في قرية صغيرة، لا ترى إلا ما تحدده لك الخوارزمية، ولا تسمع إلا ما يعجبك، أنت لا ترى الوجه الآخر من العالم، لأنك داخل فقاعتك.


حتى وأنا أكتب إليك الآن، لم أكتب من العدم، كل تلك الأفكار لم تأتِ من لا شيء، إنها الفقاعة امتلأت بالكثير، من كتاب قرأته، أو محاضرة سمعتها، أو درس تعلمت منه، أنا أكتب إليك من فقاعتي الخاصة، أنا أكتب لك ما أنا أعتقد به، وأفكر به. أنا أضعك في فقاعتي أنا، أنا لا أعلم عن فقاعتك شيئَا، أنا أجبرتك، بقراءتك لهذه السطور؛ على أن تدخل فقاعتي ليس إلا. ربما صدرت هذه الأفكار لفقاعتك الخاصة وذلك لأن فقاعاتنا متشابهة ليس إلا.

ساندي الغريبة القادمة من عالم اليابسة إلى عالم الماء، دخلت فقاعة مختلفة لتكتشف ولتعرف ففقعت فقاعتها، وانتبهت للعالم الآخر حولها. ساندي العالمة استطاعت الوصول إلى ما لم يسمح لها عالم اليابسة أن تراه، بينما أنت وأنا كنا سبونج بوب لم نفكر يومًا قرع باب فقاعتها ومعرفة ما فيها، لم نفكر أن نبحث من أين جاءت ساندي؟

 

وكيف تعيش وكيف تأكل؟ لأننا أنانيون منغلقون في فقاعاتنا. في مرة، قرع سبونج بوب فقاعة ساندي، واجه من المشاكل والمصائب الكثير، كاد أن يموت اختناقًا لأنه تخطى فقاعته إلى فقاعة غيره، لم يكن أمرًا سهلًا، ولكنه أمر يستحق المحاولة. افقع فقاعتك، وحاول دخول فقاعات الآخرين في العوالم الأخرى وإن كان ذلك سيكلف كثيرًا، على الأقل ستكون سنجابًا ذكيا عوضًا عن إسفنجة غبية.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد