لم يكن المصريون يريدون الفوز بكأس الأمم الإفريقية فقط بل كانوا يحتاجون إلى الفرحة أولاً والشعور باستعادة روح البطولة أيًا ما كانت تواجهه بلدنا من صعاب، فهم يبحثون دائمًا عن شيء يجعلهم سعداء، خاصة وأن هذه البطولة تُمثل شيئًا خاصًا وفريدًا بالنسبة لهم جميعًا، فهي بطولتهم الدائمة مهما غابت عنهم، وعلى الرغم من عدم الفوز الأخير إلا أنه ما حاول اللاعبون والجهاز الفني بذله من جهد شيء يستحق الشكر عليه، فيكفي أنهم قد أعادوا لنا روح البطولة التي غابت عنا لسنوات عجاف مريرة خاصة بعد حادثة بورسعيد الأليمة، فتوحد الجميع على شيء واحد رافعين أعلام مصر مجددًا دون الاهتمام بشيء سوى أن يكون النصر لبلدهم بعيدًا عن الانقسامات والمعارك التي أصبحنا نخوضها يوميًّا.

الجيل الذهبي وحسن شحاتة

تلك الروح التي خُلقت في وجدان المصريين بل العالم العربي أيضًا، والتي اعتدنا عليها من المُنتخب لم تكن أمرًا عابرًا نستطيع أن ننساه مهما مرت علينا السنوات، فما فعله الكابتن حسن شحاتة على مدار الأعوام الماضية المتتالية «2006-2008-2010»، كان أمرًا تاريخيًا وفرصة حقيقية للحلم من أجل الفوز بها دائمًا، وكأن إن تواجدت مصر فلا فائز غيرها، وإن غابت فقدت البطولة روحها الأصلية، أجواء الانتصارات المُتكررة والمُتعاقبة كان وما زال شعورًا مُختلفـًا بالنسبة لنا، الاستعداد والحشد الشعبي لها كان له عظيم الأثر وواحدًا من أسباب الفوز، نعم لم يكن حسن شحاتة لينجح وحده لولا الجماهير التي كانت تدعمه بكل ما أوتيت من قوة ولا بدون تخطيط جيد أو بدون لاعبين مُخلصين وماهرين، فمن عاش مع الجيل الذهبي يعلم جيدًا ما كانت تسعى إليه مصر طوال الوقت، أيضًا كان الاستقرار العام أمرًا مُساعدًا وبقوة بعيدًا عن الاتجاهات السياسية إلا أنه عامل مؤثر لا نستطيع إغفاله وبالتأكيد كان واحدًا من أهم أسباب عدم صعودنا لفترة كبيرة لنهائيات تلك البطولة.

لم يشتق المصريون فقط إلى الفرحة، ولكن إلى الشعور بالوحدة بعيدًا عن أي انقسامات فكرية كانت أو سياسية أو اجتماعية، وإلى توحيد ألوان العلم الثلاثة في ملابسهم وعلى وجوههم، للنصر ورفع اسم مصر بعزة، إلى لقطة سجود اللاعبين بعد إحراز الأهداف والاصطفاف والروح التي يلعبون بها، رقصة الحضري الشهيرة على شباك العارضة، وإلى السهر حتى الصباح احتفالاً ببلدهم.

ربما كان الفوز قبل 2011 كان أمرًا أكثر رفاهية لكن ما بعد 2011 الفوز أصبح حتميًّا وضروريًّا لأن نعود لنتصدر بطولات ونحقق إنجازات ولنسعد من جديد، لم تكن الخسارة النهائية لمصر أمام الكاميرون فقط لأسباب قدرية، لكن أيضًا لوجود بعض عوامل الخطأ من جانب كوبر، إضافة إلى ظروف المناخ وانخفاض نسبة اللياقة البدنية أمام الفرق الإفريقية القوية البنيان، فلم يكن الأداء العام للاعبين على مستوى البطولة يسمح بأن نأمل في الوصول إلى النهائي إضافة إلى الإصابات المتعددة وعدم خبرة اللاعبين بشكل كبير فالأغلب منهم صغار السن يشاركون للمرة الأولى في البطولة باستثناء القليل منهم ممن لديه باع كبير وصاحب خبرة طويلة كعصام الحضري وأحمد فتحي ومحمد عبد الشافي أصحاب الكرة الذهبية في جيل حسن شحاتة، نعم لدينا العديد من المحترفين بالخارج لكن ليست فقط هذه الورقة الرابحة التي ستضمن لك الفوز كما أن المقارنة بين جيلي حسن شحاتة وكوبر ظالمة وغير عادلة لفرق الخبرات والفكر الخاص لكل منهما.

حقق المنتخب إنجازًا في بعض اللقاءات فعلى الأرجح تعد مباراتي مصر مع المغرب وبوركينا فاسو هما الأفضل، وربما لم يحالفنا الحظ تلك المرة للحصول على الكأس لكن بالـتأكيد، وكما قال مدرب المنتخب المغربي: «على الخصوم أن ينتبهوا جيدًا فيبدو أن مصر قد عادت»، ولا ننكر أيضًا أن ما جعل الفريق يتأهل إلى مراكز متقدمة لم تكن في الحسبان هو الجماهير العامل الأول والأساسي في الفوز، فاللعبة الشعبية الأولى تأبى أن يكون جمهورها حزينًا.

عصام الحضري دائمًا وأبدًا

لم ينصفنا الحديث ولا الكلمات للحديث عن سدنا العالي عصام الحضري؛ لأنه بالتأكيد رمز لن يتكرر؛ فهو حالة فريدة من نوعها ليس فقط على مستوى مصر أو إفريقيا؛ بل في العالم كله ظاهرة كروية ونجاح استثنائي نعتقد أنه لن يأتي مثله ثانية، حارس مرمى من طراز خاص رفيع المستوى، فإذا أردنا اختصار الكلمات عنه لا نقول سوى أنه عشق الساحرة المستديرة؛ فأهدته كل شيء ودون حساب، فعاش بها ومن أجلها فلم يكن شيئًا جديدًا أن يعود بالإبهار نفسه بعد إخفاق سنوات بعينها، وأنه قادر على حماية شباك المصريين.

قد تأتي مصر بالبطولات القادمة، لكنها تحتاج إلى أن تعود وتأهل لأجيال جديدة تستطيع أن تكمل مسيرة البطولات بأداء قوي، وليس فقط بدعوات المصريين أو بالحظ أحيانـًا أخرى، جيلاً قادرًا على العطاء حتى لا نقف باكين على أعتاب الماضي والبطولات السابقة فقط كمن ظل يردد أن مصر صاحبة حضارة 7000 سنة ولم يفعل بعدها شيئًا ليكمل حضارته، فشكرًا للمنتخب الوطني على ما قدموه هذا العام ونأمل أن تتوج مصر في الأعوام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد