يمارس الرياضي تمارين شاقةً ليظهرَ بمستوىً عالٍ، ويتحمل المهندس مشقاتٍ ومتاعب ليخرج العمل المُطالب به بإتقان، ويسهر الطبيب الليالي الطوال مراقبًا مريضه خشيةً عليه من الموت، وجميع ذلك عاداتٍ لا يفصلها عن تحوّلها إلى عباداتٍ يُتقرّب بها من الله إلا أن ينوي أصحابها بعملها إرضاء الله لا إرضاء المدرب أو المشرف أو المدير.

إن العبادة الأولى التي يتقرب بها الغني من الله ليست الجهاد أو الصيام، وإنما إنفاق المال على الفقراء والمساكين، وعبادة القوي الأولى هي إحقاق الحق وإبطال الباطل، وبالنسبة للعالم فعبادته الأولى هي نشر العلم بين الناس وتعليمهم وتفقيههم، أما الرياضي فعبادته الأولى هي أن يسخّر شهرته لنشر دين الله تعالى، مثلما فعل اللاعب الفرنسي بوغبا عقب تتويجه بكأس العالم؛ إذ خرج ببثٍ مباشرٍ على الانستغرام صادحًا بتكبير الله عز وجل، ومثلما يفعل صلاح؛ إذ لا يسجل هدفًا إلا وتراه ساجدًا لله تعالى، وهذا الأمر فعله لاعبون كثر، سواء بالسجود، أو بناء المساجد، أو دعم الجمعيات الخيرية، أو نصرة القضية الفلسطينية، أو حتى بأخلاقهم، وهي الدعوة الصامتة إلى الله كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

وأتساءل في نفسي: ماذا لو قام اللاعبون المسلمون المحترفون في أوروبا بنشر آياتٍ من القرآن الكريم بصوتٍ عذبٍ بلغة الدولة التي يلعبون فيها؟

حينها سيدخل أفواجٌ من الناس في دين الله، كيف لا؟ والقرآن وحده الذي أسر قلوبنا وجعلها خاشعةً مطمئنةً، وهو الذي ما زال معجزةً من ساعة نزول أول آيةٍ منه على سيدنا محمد ﷺ إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي بدأ بـ(ذلك الكتاب لا ريب فيه) في حين تبدأ الكتب الأخرى باعتذار عن وجود أخطاء في هذا الكتاب، وتنتهي طبعاتها الثانية والثالثة بصفحات تحمل اسم: تصحيح أخطاء الطبعات السابقة؛ إذ النقص يعتري البشر.

ونشر القرآن الكريم ليس حكرًا على اللاعبين المحترفين في أوروبا، وإنما مطالبٌ به الذين يلعبون في بيئةٍ مسلمةٍ أيضًا، فإن لم يهتد به غير المسلمين فعسى أن يُعيد مسلمًا غافلًا إلى جادة الصواب وهم كثر! فكما قال جلال الدين الأفغاني: أفضل وسيلة لإقناع الغربيين بالإسلام أن نقنعهم أولًا بأننا لسنا مسلمين كما ينبغي.

إذًا إظهار شعائر الله وتعاليم دينه هو العبادة الأولى التي يقوم بها الرياضي مهما قلّت شهرته أو كثرت، وسواء كان لاعبًا أو معلّقًا أو صحافيًا، ويمكنه فعل ذلك من خلال تصريحاته وحساباته على منصات التواصل الاجتماعي، بحيث ينسب تميزه وتألقه إلى فضل الله وعونه وكرمه، ثم إلى المدرب أو اللاعبين، وبحضوره للدروس الدينية تزداد معرفته بالله، فتكون دعوته إلى الله على بصيرة.

أما إذا تساءلتَ: لماذا عنوان المقال يتحدث عن الغاية العظيمة ومحتواه يتحدث عن العبادة؟

فأجيبك بأنه لابد وقد سأل كلٌّ منا نفسه عن الغاية من وجوده على هذه الأرض، ولماذا خلقه الله وماذا أراد منه، والإجابة على ذلك تأتيك من الله في قوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

وحينها نُذعن ونُشهد الله بأن منهجنا في الحياة قد صار: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، وإن هذا لهو التجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة، بالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه (في ظلال القرآن).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!