دائما كانت ترتبط الرياضة عندي بمفهوم فترة مؤقتة لإنقاص الوزن، وعليه تكون أشبه بمرارة الدواء الذي تتحمله على مضض، وكان معظم من عرفتهم من الناس يمارسونها لذات الغرض إلى أن قابلت صديقة ولعجبي وجدتها منتظمة لسنوات في الذهاب للجيم دون انقطاع، ثم لعجبي أكثر أخبرتني أنها تحب ذلك وتشعر بتحسن حالتها المزاجية وهي أول من أقابله يتحدث بحب وشغف واضح عن الرياضة، بعدها بسنوات مارست السباحة فأدركت أن الأمر لم يكن أبدا مجرد إنعاش لعضلات البدن.

الرياضة بمعناها الحقيقي هي تدريب للعقل، لو نتكلم عن تلك الدقائق اليومية التي تفعلها عادة كي تحافظ على جسد لا يترهل فهذا أداء حركي، لكن الرياضة التي تفعلها كي تتحدى قدرتك وتصر على أمتار زائدة وتّحمل نفس أطول فهي تدرب الجذور الممتدة من العقل، تعيد تشكيل أفكارك عن نفسك وحدود قدرتك واللحظة الحقيقية وليست النفسية التي تنهار فيها أطراف جسدك وتستسلم، ستتلاشى حدود حقيقية عندك كقصر القامة وضعف النظر وضيق التنفس، لتصبح الحدود تحديات تتحداها وتحتفل بانتصارك عليها، مع مرور الوقت ستعتاد أن تهزم الخوف وتنظر إليه باعتباره فكرة يمكن حصارها وقتلها نفسيا، بل قد ينقلب إلى لعبة مسلية وتظل تبحث عن الخوف في تجارب جديدة كي ينعش روحك.

112816_1333_1.jpg

لذلك لا تمارس الرياضة أبدا بنية العادة، لا تمارسها في غرفة مختنقة بل حاول أن تركض في الهواء الطلق وأنت تنظر للسماء وتتنفس الهواء بملء رئتيك، حينما تعلمت السباحة كان يجب أن أسبح على ظهري، كي تفعل ذلك عليك أن تجدف بساقيك بقوة وتحاول أن تبقى طافيا كي لا تبلع الماء وتغرق، كان الأمر في البداية صعبًا لأن أفكاري كانت مركزة بشدة على انتظام حركة الساقين والخوف من الفشل، كنت أشعر بالتوتر وفجأة رأيت القمر بدرا في السماء، كان جماله يخطف القلب فذابت أفكاري في نوره، بعدها شعرت بشيء غريب، وكأنني أركب دراجة وأبدل بها بسهولة شديدة، بل إن الماء يساعدني على الانسياب، فانتظمت حركات ساقي وتحول الأمر إلى رقصة باليه، عجبت كثيرا لتحول الأفكار والخوف إلى متعة وانسجام مع الكون، في كل مرة صبرت فيها على السباحة فهمت شيئا جديدا عن فلسفة الماء، انشبك الماء مع أفكاري في تفسير الحياة فبدأت أذهب لحمام السباحة وأجلس أمامه بالساعات أراقب الأمواج وأشكالها الدائرية والمتدرجة حسب اتجاه الرياح، لاحظت أن اللون الأزرق لون الغرق بالفعل، يمكن ليس فقط لإنسان بل لفكرة متشبثة بعقلك أن تغرق وتتلاشى بين الأمواج، قرأت أن الضوء تتفرق ألوانه السبعة على سطح الماء وكلما زاد العمق توقف لون عن الغوص أكثر لذلك تقل الإضاءة تدريجيا، إلى أن يتبقى اللون الأشجع وهو الأزرق،ثم ييأس هو الآخر في الأعماق البعيدة ولا يبقى سوى الظلام.

كل هذا البحث والحب للماء لم أدركه طوال عمرى سوى حينما تعلمت السباحة، دعك من حقيقة أنها مرنت قدرة التحمل كثيرا فلقد كنت في البداية أعوم لنقطة معينة وأقسم بداخلي أني لن أتحمل أبعد من ذلك، بعد مرور شهر بعدت تلك النقطة علامتين، بعد مرور شهرين بدأت آخذ النفس بانتظام جيد ولا أبلع الماء فلم تعد المسافة مشكلة، إنك تعرف أخطاءك وتحدد أين نقطة الضعف كي تمرنها بالذات، وليس مجرد زوبعة هوجاء من اليأس تستلم سريعا لها.

التدرج في الرياضة مهم كما التدرج في تعلم أي شيء، كثيرا ما أجد من يبدأ في الركض السريع يكون كالريح في قوته ثم يخمد عند مسافة قريبة بينما الذي يركض ببطء ينهي الملعب عدة أشواط، لا يصلح أن تتوقف كل مرة عند ما اعتدت عليه، عند المستوى الذي لا يُتعب، نحن نريد أن نتعب، نريد إعادة تعريف كلمة التعب أصلا، ذات مرة قررت أن أركض حول الملعب من نقطة ثم أعود إليها، كان تحديا بسيطًا لكني لم أركض منذ سنوات طويلة وأردت أن أفعلها فحسب، دعني أسجل لك هنا الحوار الداخلي بدقة، هتف صوت (ما أهمية هذا التحدي؟)، ثم هتف صوت آخر (ما أهمية أي شيء على الإطلاق إن لم يكن لهذا التحدي معنى، ما معنى أن يزهد الإنسان في فكرة يريدها لمجرد أنها بلا أهمية، في الحقيقة هو يمارس خدعة عقلية بتعرية الهدف من قيمته كي لا يتحرك، وكلما فكر في الحجج زادت منطقية واقتنع أنه على صواب)، لو تتبعت الصوت الأول الذي يمعن في الكسل وينظر للعالم من فوق وسادة الزهد بأن كل الطرق التي خاضها الناس لم تجعلهم سعداء، فأنت تنظر حقيقة إلى إنسان يختبئ من خوفه داخل قناع الحكمة، وعلاجه أن يدخل في أي تحد صعب فقط كي ينزع عنه هذا القناع الكاذب ويخوض المعركة بشجاعة.

واصلت الركض وواصلت الأفكار السلبية الغزو من كل جانب، وكأنها اجتمعت كلها وركبت مكوكا فضائيا وانطلقت إلى عقلي في نفس اللحظة التي اتخذت قرار الجري، لم يعد الأمر مجرد صوت واحد أحاججه بل صراخ عال متعب، قررت أن أتوقف عن الرد عليهم، سأستمر في الركض فحسب مهما صاحوا، وهكذا أكملت وبدأ خط النهاية يقترب فأتانى تعب جسدي حقيقي (وربما كان عقليا لا أعلم)، أصررت أن لا أتوقف سوى عند النقطة التي أردتها، مهما كان كل شيء غير منطقي ولا معنى له، وصلت أخيرا ثم جلست على الدكة.

لا أدرى كيف كان شعوري حينها، كل ما سطع في بالي أن (الرياضة بمعناها الحقيقي هي تدريب للعقل) ثم أكملت كتابة هذا المقال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد