تختلف الأمم والشعوب فيما بينهم بتراث ثقافي وفكري مستقل، وهذا ما يعطي الصبغة الخاصة لكل شعب على حد سواء، فالثقافة معيار تقاس به المجتمعات، ومنذ الأزل وجهت الشعوب كل طاقاتها وإمكاناتها لتطوير الثقافة والحفاظ عليها، وذلك بترسيخها في أذهان أبنائها؛ فما رُسِخَ يَصعب نسيانه أو تهميشه أبدًا مع مرور الزمن.

ولقد كانت الثقافة في بلادنا العربية حجر الأساس للنمو ورقي المجتمع العربي، وكانت البحر العميق الذي يبحر فيه الناس، فاهتم بها القاصي والداني، والمجالس كانت ذاخرة بأصحابها والساعين لها، أما الآن تبدلت الأيام أو بالأحرى تبدل الناس وتغيرت اهتماماتهم، فأصبحت – الثقافة – لا فائدة لها؛ فلا أهمية بأن يكون لك رأس يفكر، وعقل يعي ماضيه وحاضره، فيكفي أن تفكر في أمور لا تسمن ولا تغني من جوع.

وبعد أن تكسّرَ حجر الأساس واقتُلِعَ من جذوره، وصُبَّ الجهلُ على عقول الناس، أصبحت الثقافة جسدًا باليًا أرهقته الأيام، فلا يقوى على الوقوف على قدميه، فكأنه رجل عجوز بات لا يعجب أحدًا، ولا يهتم لأمره أي شخص، فالعقول في سباتٍ عميق، والعيون لا تبصر الحقيقة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا وصلت الثقافة إلى هذا الحد من الإهمال والتهميش؟ ولماذا غابت عن الساحة وغاب عنها الجمهور كما كان في الماضي البعيد؟

لنخرج عن الموضوع قليلًا، ونذهب لنبحث، ونكتشف معنى التصحر، وبعد البحث عن هذا المصطلح، سنجد أنه يعرّف: بتعرض الأرض للتدهور في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، مما يؤدي إلى فقدان الحياة النباتية والتنوع الحيوي بها.

نعود لنكمل موضوعنا الأهم، فإن ما تعانيه الثقافة من تصحر يعد أفظع من تصحر الأراضي، فهو تصحر للعقول وفقدانها أسباب التقدم والتطور، والاكتشاف.

وإن وقفنا على هذه الأسباب سنجد أن الغرب يعد من أهمها؛ فلقد سعى منذ القدم إلى تدمير عقول المجتمعات العربية، ونشر الجهل فيها، حتى وصلنا إلى تصحر ثقافي، ففي كل تقدم للغرب يعكس تأخرًا لبلادنا وتخلفًا غير مسبوق، فالمكتبات أمست مقفرة تنادي على روّادها؛ لكي يملؤها بعد الظلام الدامس الذي حلّ بها.

وليس الغرب وحده يتحمل كل ما حدث للثقافة في بلادنا، فتقف إلى جانب ذلك سياسة الدول العربية نفسها بزيادة تجهيل شعوبها، لما تنتهجه من سياسات غامضة تتبع بها الغرب، وتنسى بأن السم وضع لها في العسل، فمثلًا، تنهج الدول العربية نهج دول الغرب، فباتت تصب كامل تركيزها واهتمامها على الرياضة، فأصبح الشباب يجهلون كل شيء إلا الرياضة، فما زُيّن في أذهانهم من مستقبلٍ ورديّ للرياضيين وما تَدّره الرياضة من متعة وأموال على أصحابها جعلتهم يلهثون وراءها بكل شغف.

إلا أن المحدّق بعينه البصيرة في الغرب سيرى أنهم يعدلون في اهتماماتهم فلا يتناسون الثقافة، أما العرب يضخون الأموال بشكل لا يصدق من أجل النهوض بالرياضة، مُتناسين أن الثقافة أداة بناء وتنوير وحامية للقيم في المجتمعات، وأنها الجانب الأهم والأحق بالتركيز عليه، وحتى فقدت الثقافة العناية اللازمة من المؤسسات والجهات الداعمة مما أدى إلى تدهور الثقافة بشكل كبير.

وعلى سبيل المثال لا الحصر: إذا أُقيمت جلسة أدبية، أو درس ديني، أو ندوة اجتماعية، ستلقى أن الحضور لن يتجاوز العشرين شخصًا، وأغلبهم من كبار السن. أما إذا كانت مباراة كرة قدم ويريدون أن يشاهدوها عبر التلفاز، ستجد أنه سيكون في المكان ما يقارب العشرين شخصًا من الصغار، فما بالك بالكبار!

نحن بحاجة إلى الاستيقاظ من سباتنا والإسراع نحو النهوض والتغيير؛ من أجل توعية المجتمع بالكنز الذي لا يلتفتون إليه، ويحتم علينا تنفيذ المشروعات الثقافية الضخمة والتي ستجذب الناس، وتغير من واقعنا وتغير من أنفسنا، وحالة مجتمعاتنا، ولو قليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد