الخُنفشاري صفة يُعنى بها المتعالم على الناس بدون أن تتوافر فيه الأدوات الاجتهادية المطلوبة لمن يتصدر للفتوى في علم ما. ومن أبرز سمات عصرنا تكاثر هؤلاء الخنفشاريين على منصات الإعلام، وخاصةً في الشبكة التي وضعت بأيديهم وسائل النشر بجهد لا يتعدى كبسة زر لنشر الفتاوى، فطارت منشوراتهم المكتوبة والمسموعة والمرئية كل مطار!

وللخُنفشار قصة طريفة تستحق أن تروى، يُروى أن رجلًا كان يُفتي كل سائل دون توقف، فلحظ أقرانه ذلك منه، فأجمعوا أمرهم لامتحانه، بنحت كلمة ليس لها أصل هي «الخُنفشار»، فسألوه عنها فأجاب على البديهة: بأنه نبتٌ طيب الرائحة ينبت بأطراف اليمن، إذا أكلته الإبل عقد لبنها. فقال شاعرهم اليماني:

لقد عقدت محبتُكم فؤادي *** كما عقد الحليبَ الخُنفشارُ

ولا شك أن الخُنفشاري يرقع ثوبه بالكذب ليخفي إزجاء بضاعته من العلم الذي يفتي فيه، وقد وصف الزُهري هذه الحالة بقوله: «الكذب شر غوائل العلم»، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «من أفتى في غير فنه أتى بالعجائب»!

وقد صادفت كثيرًا أمثال هؤلاء ساقتهم أنابيب الشابكة إلى بعض الحوارات التي شاركت فيها مع بعض أهل الفضل والعلم، فكان تداخلهم كأنهم يصدرون عن المثل الموروث «قطعت جهيزة كل خطيب» مع ما حمله هذا التداخل من نقول للغرائب والمتروكات من الأقوال التي لا يُعتد بها عند التحقيق والتثبت، فكان محصولهم: قال فلان كذا، وكذلك قال علان كذا، وكذلك… إلى آخر كذلكاتهم! فصدق فيهم قول الشاعر:

يمدون للإفتاء باعًا قصيرةً *** وأكثرهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ

مع أن مواضيع الحوار تتطلب في من يتصدى لها أن يكون متحصلًا لثقافة بقدر مقبول في موضوع الحوار، فبعض الميادين التخصصية قد لا يستطيع ولوجها غير متخصص أو باحث أزهق وقته في التحصيل وقلّب عينيه في بطون المجلدات. فكيف بخُنفشاري لم يقرأ كتيبًا في موضوع الحوار، يأتي مزاحمًا أهل التخصص متكئًا على شيخه غوغل، ليحتطب منه كحاطب الليل غثه وسمينه، فينسخه ويلصقه ثم ينتصبُ منافحًا عن هبات شيخه! وإن حاولت أن تناقشه فيما حمله من أسفار، وجدته كما الحمار يحمل أسفارًا!

كنت ومجموعة من الزملاء المهتمين بطلب العلم الشرعي، الذين تنثني منهم الرُكب في مجالس أهل العلم، نتحاور حول أحكام أهل الذمة في الإسلام، وهو موضوع يدخل في دائرة اهتمامي بعلم مقارنة الأديان وبحثي فيه لنيل درجة الماجستير ونيتي المبيتة لنشر مستقبلي في هذا المجال، فدخل معترك الحوار خُنفشاري مفتيًا بما لم يأت به الأوائل! فنبهته إلى أننا نستند في حوارنا على كتاب ابن القيم حول هذه القضية وهو في طبعته التي بحوزتنا يحوي أكثر من ألف وسبعمائة صفحة، وحوله ندندن. فأجابني مستهزئًا أن القضية لا تستحق إضاعة الوقت في قراءة الكتاب، وأن الفتوى لا تتطلب جهدًا كهذا، وأننا نفتقر للمقدرة على مجاراة ألمعيته، فأحلناه إلى الكتاب لعجزنا عن مناقشته ودحض حججه الدامغة! وقد أصبح هذا الموقف مُلحة وفكاهة تثير الضحك كلما تذكرناها.

وأخشى التطويل إذا تركت العنان لقلمي في ذكر مواقف مشابهة لهذا الموقف مع خُنفشاريين يحار المرء في أيهم أكثر إضحاكًا وطرافة من أصحابه. فلو قلّبت في ذاكرتك فستجد أنه قد مرّ عليك كثير من أمثال صاحبنا. وبعضهم صاروا أصحاب منابر وجمهور يصفق لهم، وفضلت ألا أعينهم بالذكر وأعتمد على فطنة القراء في كشف زيفهم وتمييز ألاعيبهم!

وقد اهتم أهل العلم بتحذير الناس من الخُنفشاريين وخصصوا لهم فصولًا من مؤلفاتهم، فنجد ذلك مبسوطًا في «تلبيس إبليس» لابن الجوزي، وفي «مُعيد النعم، ومُبيد النقم» للسبكي، وفي «فضل علم السلف على الخلف» للحافظ ابن رجب، وفي «تنبيه العلماء على تمويه المتشبهين بالعلماء» لعلي بن زيد البيهقي، والأمثلة في هذا الجانب يضيق المقام عن حصرها. وقد وصف ابن القيم في نونيته الخنفشاري بما يليق به:

هذا وإني بعد ممتحن بأربعة وكلهم ذوو أضغان

فظٌ غليظٌ جاهلٌ متمعلمٌ ضخم العمامة واسع الأردان

متفيهقٌ متضلعٌ بالجهل ذو صلع وذو جلح من العرفان

مُزجى البضاعة في العلوم وإنه زاجٍ من الإيهام والهذيان

يشكو إلى الله الحقوق تظلمًا من جهله كشكاية الأبدان

من جاهلٍ متطببٍ يفتي الورى ويحيل ذاك على قضا الرحمن

وأختم بما قرأته لبكر بن عبد الله أبو زيد في مقدمة كتابه «التعالم وأثره على الفكر والكتاب» عن الباعث لتأليفه: «فكم رأينا نزالًا في حلائب العلم، من رائمٍ للبروز قبل أن ينضج، فراش قبل أن يبري، وتزبب قبل أن يتحصرم». نعم، لكم رأينا! بيد أن الأدهى من كل ذلك أن هناك من يشدّ إلى الخُنفشاريين رحاله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد