إن اللغة العربية، بلا ريب، من أغنى اللغات العالمية وأكثرها تأثيرًا. ولا شك أن الكثير من العلماء قد أفاضوا في شرح مزايا هذه اللغة العظيمة وأسبغوا في بيان حسنها وجمالها. لكني في هذه المقالة القصيرة سأحاول أن أسلط الضوء على بعض المزايا التي قل من يذكرها والتي قل من يعرفها من أبنائها. وسأجمع في هذه العجالة شتات معلومات وحقائقَ تاريخية لطالما أبهرت علماء اللغة، علماء اللغويات واللغويات التاريخية خاصةً.

كمنطلق لهذه المقالة لا بد أن نعرف أن اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية. وما يميزها عن أخواتها من اللغات السامية الأخرى (السريانية، العبرية… إلخ) أنها اللغة الأكثر رواجًا وأن ناطقيها يغطون رقعة جغرافية مهولة. فبحسب إحصاءات المراصد العالمية للغات يفوق عدد متكلميها كلغة أم أكثر من مائتين وخمسة وثمانين مليونًا في أكثر من ستين بلدًا.

اللغة العربية من أقدم اللغات الحية وهي إحدى اللغة الوحيدة، ربما، التي لا تتأثر بعوامل التغير والتطور اللغوي

بلغ عدد اللغات الحية في عام 2018، بحسب موقع إثنولوغ، 7099 لغة في العالم. وهذا أقل بثلاث لغات عن العام الفائت. وتعد اللغة العربية من أقدم هذه اللغات إذ لا يُمكن حقيقة تأريخ نشوء هذه اللغة. لكن أقدم نص مكتوب بالعربية يعود إلى 17 قرنًا. والعربية، رغم هذا القدم، ما تزال حية ولم يطرأ عليها تغيير يذكر. ولتوضيح هذه الفكرة دعونا نقارنها باللغة الإنجليزية، مثالًا، فالإنجليزية التي نعرفها اليوم عمرها لا يتجاوز خمسة قرون أو ربما أقل. ولا يمكننا حقيقة تحديد عمر دقيق للغة الإنجليزية الحديثة لأنها، كما سائر اللغات تتعرض للتطور والتغيير. وبذلك من الصعوبة بمكان أن يتمكن شخص ناطق باللغة الإنجليزية اليوم أن يقرأ نصًا كتبه شكسبير على سبيل المثال. والنصوص الأدبية التي بين أيدينا لشكسبير وغيره من الكتاب الإنجليز من القرن الخامس أو السادس عشر كلها بلا استثناء تم تعديلها لكي تتلاءم مع اللغة الإنجليزية الحديثة. أي تم تغيير الكثير من مفرداتها ومبانيها لكي يتمكن القارئ الإنجليزي المعاصر من قراءتها. لذلك لا يمكن القول بأي شكل من الأشكال أن اللغة الإنجليزية القديمة هي ذاتها اللغة الإنجليزية الحديثة. بل هما على اختلاف قد يفرقهما إلى لغتين مختلفتين إحداهما كانت جذرًا للأخرى. مع العلم أن إنجليزية شكسبير، أو حقبة إليزابيث نسبة للملكة إليزابيث الأولى، تعد،من وجهة نظر علماء اللغويات التاريخية، إنجليزية حديثة.

أما في حالة اللغة العربية فهذا الأمر مختلف تمامًا. إذ يمكن للكثيرين ممن حصلوا على تعليم عالٍ اليوم أن يقرؤوا نصوصًا عربية كتبت قبل خمسة أو ستة عشر قرنًا دون أي تغيير. وهذا ما نعنيه أنها أقدم، أو من أقدم اللغات الحية، إذ اللغات الأخرى ليست حية في هذا الشكل إنما هي لغاتٌ تتوالد وتتكاثر وتختلف اختلافًا كلما ابتعد الفرع عن الجذر. فتموت القديمة وتحيا الجديدة ثم تمسي الجديدةُ قديمةً وتموت هي بدورها وهكذا دواليك. وهذا ما حدى بعلماء اللغويات أن يقولوا:

Modern classical Arabic is almost the same as old classical Arabic

أن العربية الفصحى الحديثة هي تقريبًا الفصحى القديمة ذاتها.

والسبب في ذلك يعود ببساطة إلى القداسة التي أضفاها القرآن الكريم على اللغة العربية والتي حفظها من التغيير بحفظ الله كما نص على ذلك صريح القرآن.

كانت اللغة العربية لغة الحكم والإدارة في أغلب أقطار العالم الإسلامي كما أنها سادت كلغة للتواصل العالمي لفترة طويلة

ما يجهله أكثر ناطقي العربية، وغيرهم، أن هذه اللغة العظية كانت لغة الحكم والإدارة في أقطار بعيدة جغرافيا عما يُسمى اليوم (الدول العربية) وأنها استمرت على هذا الحال لقرون طويلة قبل تغلب اللغات الأوربية التي فُرضت بالقوة من قبل الاحتلال.

ولك أيها القارئ العزيز أن تسبح في خيالك بعيدًا لتتخيل هذه الحروف الوضاءة مكتوبة على صك قرار أميري في (قازان -جمهورية تتارستان- الاتحاد الروسي) ثم فلتتجه جنوبًا إلى زنجبار وجزر القمر. ومن ثم فلتيمم شطر المحيط الهادئ في جاوة ومنداناو ومالايو شرقًا إلى سواحل السنغال والمغرب على المحيط الأطلسي غربًا. هذا بالنسبة لاستخدام اللغة العربية أما استخدام الحرف العربي فقد تعدى هذا بكثير إذ استخدم شمالاً إلى ما بعد الإمارات التترية في روسيا الحالية ووصل إلى (بولندا) أما جنوبًا فقدج وصل أبعد نقطة في القارة السمراء. إذ كان الحرف العربي هو الأبجدية التي كتبت بها كثير من اللغات التي استخدمت في فترة ما في جنوب أفريقيا. وكذلك الأمر شرقًا وغربًا. وما يزال الحرف العربي مستخدمًا رسميًا أو غير رسميٍ في دول كثيرة حتى الآن.

علاوة على ذلك فقد كانت اللغة العربية لغة التواصل العالمي، أو ما يسميه علماء اللغويات بـ(لينغوا فرانكا)، وظلت كذلك لقرون عديدة إلى جانب كونها لغة العلوم والفنون.

اللغة العربية من أكثر اللغات تأثيرًا على اللغات الأخرى

كان العامل الديني هو العامل الأقوى في انتشار العربية. كما أن سيطرة التجار العرب لفترة طويلة على تجارة المحيط الهندي كانت سببًا آخر لبروز العربية كلغة ذات تأثير واسع على اللغات الأفريقية والآسيوية. وقد أحصى العلماء اللغات التالية كلغاتٍ تأثرت بشكل كبير، من حيث استعارة المفردات والمباني والقواعد، باللغة العربية. مع اختلاف نسبة التأثير من لغة لأخرى:

الأمهرية، التغرينية، البنغالية، الهندية، الإندونيسية، الكازاخية، الكردية، القرغيزية، المالاي، الباشتو، الفارسية، البنجابية، السندية، الصومالية، السيلهيتي، السواحيلي، التركية، التركمانية، الأوردو، الإيغورية، الأوزبكية، الفولا أو الهاوسا. لقد كان للعربية تأثير ملحوظ على اللغات سابقة الذكر لهذا وضعت في التصنيف أما اللغات التي استعارت من العربية مفرداتٍ وتراكيبَ من غير تأثير ملحوظ فتلك بالعشرات.

وإضافة إلى ذلك فإن للعربية ابنتان، إن صح التعبير، وهما لغتان اشتُقتا من العربية واختلطت مفرداتهما مع لغات أعجمية حتى انفصلتا وأمسيتا لغتين جديدتين. أما أولهما فهي اللغة المالطية، في جزيرة مالطا في البحر المتوسط، وأما أُخراهما فهي لغة نوبي وهي لغة تُستخدم محليًا في أوغندا وكينيا.

تأخر الوضع الريادي للعربية

لا شك أن السبب الوحيد والأبرز لتأخر الدور الريادي والحضاري للغة العربية هو تأخر أبنائها عن ذلك الركب. ولقد بدأ ذلك التأخر يأخذ شكلًا واضحًا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي بعد الهزائم العسكرية المنكرة التي مني بها المسلمون في الأندلس ثم طردهم منها. مرورًا بعبور الأساطيل البرتغالية إلى المحيط الهادئ ثم الغزو الأوروبي للبدان الإسلامية ومحق شوكة المسلمين والتي ما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. لقد كان لانقلاب موازين القوى السياسية والعسكرية الدولية الدور الأبرز في تأخر العربية وانزوائها لقرون تحت قبب المساجد ومنارات المدارس الإسلامية. لكنها ورغم حلاكة الظروف صمدت في وجه التيارات الأوروبية العاتية، ومع انبلاج فجر القرن العشرين ولدت حركة ترجمة منقطعة النظير وتحركت كثير من الهمم لإعادة إحياء العربية، وكان لأهل الشام النصيب الأوفر من تلك الإنجازات. ومما يجدر ذكره هو المساهمة الواضحة التي قدمها نصارى الشام في تلك الحقبة بدءًا بالبستاني مرورًا باليازجي وغيرهم. ولا شك أن الواقع الحضاري والعلمي للعربية اليوم هو انعكاسٌ لذلك الواقع السياسي.

إن العريبة بعدد مفرداتها المهول وعدد جذورها اللغوية الضخم وبأوزانها اللينة يمكنها استيعاب كل مفردات التقنية الحديثة، وقد استوعبت فعلًا. وتبقى المسؤولية اليوم، إلى جانب المسؤولية الرسمية من ما تسمى (الدول العربية)، منوطةً بالأفراد والمؤسسات والتجمعات الثقافية والأدبية، مسؤوليةً أخلاقية وحضارية وواجبًا دينيًا ووجوديًا. فهل من مدكر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, لغة
عرض التعليقات
تحميل المزيد