من الأسباب.. إنخفاض ميزانية وزارة الثقافة وهيمنة

تراجع ونقص توزيع المجلات كمًا ونوعًا يعني فراغًا في الكيان الثقافي الفكري والعلمي للمجتمع، ولا يمكن تعويضه بوسائل أخرى.

لا يختلف اثنان على كون المجلات بكل أنواعها الثقافية، والفكرية، والعلمية مؤشرًا حاسمًا من مؤشرات رقي المجتمعات ومعيارًا هامًّا للتمييز بين المجتمعات المتقدمة والمتخلفة منها.

 المجلة وإن كانت لا تعد أولوية للبعض فإنها جزء لا يتجزاأ من حياة الفرد، والذي ينبغي الاهتمام به كحجر أساس لتشييد ثقافة راقية من كل الجوانب، فمثلما نحرص على تغذية الأبدان علينا أن نسعى لتغذية العقول كذلك.

عربيًّا تعاني أغلب الدول من نقص في المجلات كمًا ونوعًا، وهذا يعني فراغًا في الكيان الثقافي الفكري والعلمي للمجتمع، خاصة وأن هذا الكيان غير قابل تمامًا للتعويض فلا أمة استقامت واشتد عودها إلا وكان هذا الكيان سببًا لذلك.

اليوم تطرح تساؤلات عدة حول أزمة انتقاء المجلات، هل يعود ذلك إلى غياب الدور أم الرسالة أم أن الخلل يكمن بالقراء ومدى تقبلهم للرسالة التي تأتي بها المجلة؟

من وجهة نظري الشخصية أرى أن السبب وإن كان نسبيًا فهو واقع ، إذ صرنا نعجز عن مخاطبة جيل جديد يستبدل بحياة الواقع حياة افتراضية؛ تمنحها له المواقع الاجتماعية (السوشيال ميديا)».

 إذ بمجرد أن يخطر على بال أحدهم تساؤل في مجال ما، فإنه بالضغط على أزرار هاتفه أو حاسوبه سيحصل على كم هائل من المعلومات في وقت قياسي، ودون أن يتحرك من كرسيه أو سريره».

إضافة إلى ذلك هنالك الكثير من العقول البشرية تفتقر إلى الوعي الثقافي، لأنها ترى أن المجلات والجرائد أو حتى الكتب مجرد إضافات أو كماليات للحياة، وفي اقتنائها هدر للمال والوقت على حد سواء.

الإشكال هنا يتعدى إلى داخل الجرائد و المجلات، فحسب رؤساء التحرير في العالم العربي فإن الكثير من التحديات والصعوبات تواجههم في دورهم أبرزها معضلة التمويل.

إذ يعتبر نقص أو حتى انعدام الجهات الممولة عائقًا يمنع صمودها فتؤول إلى التقلص في الأحجام والأعداد وربما تواجه معضلة الركود. فضلا عن غياب الدولة وعدم قيام الجهات المعنية بالدور المأمول منها فيما يخص التوزيع وتسهيله.

زيادة على كل ما ذكر لا يمكن أن ننكر تأثير التحولات السياسية التي تمر بها أغلب المراكز الثقافية الكبرى في العالم العربي كدمشق بغداد القاهرة وكذلك بيروت…).

 وإن لم يكن الأمر مطلقًا فنقص الكفاءات الذهنية وتحكم عنصر التكرار وضعف محتوى الرسائل، يقلل من فرص توزيع المجلات بشكل أكبر.

ولحل هذه الأزمة أرى أنه علينا أن نعي أن أهم عنصر هو أن تكون الرسالة موجهة لعامة الناس، فالكاتب النبيه هو من يكتب للجميع فيفهم ما جاد به قلمه المثقف والمثقف جدا وحتى بسطاء العقول. ومن غير المنطقي أن نتوقع أن فردًا من العامة قد يتصفح جريدة أو كتابًا أو مجلة تخاطب فئة المثقفين فقط وقد كتبت بأسلوب مبهم غامض ولغة معقدة.

كما أنه من الجيد أن تفتح أبواب المشاركة ونشر إبداعات ومواهب المبتدئين وصقلها دون قيود ومساندة كتاب مهمشين ظلت كتاباتهم حبيسة الورق ولم تر النور، إذ أن أغلب دور النشر في عالمنا العربي لا تعنى كثيرًا بالمواهب بقدر ما تعنى بالجانب المادي التجاري، فلا ينتج لنا سوى أعمال مستهلكة لا ترقى لتطلعات المجتمع واحتياجات القارئ العربي.

ومن المقترح أيضًا مواكبة التطورات التي يشهدها المجتمع العربي بصورة واضحة للعيان ووضع خطط للتوزيع مع سعر مناسب وفي متناول الجميع. ونشر رسائل هادفة واقعية بأسلوب سلس لجذب ذهن القارئ واتباع منهجية تنظم النشر الورقي والإلكتروني.

كل ما ذكرته سالفًا مجرد كلمات قد تبقى كذلك، وقد تصبح واقعًا بشرط أن تتغير هذه الذهنيات التي ألفت الخمول. لأن التغيير الحقيقي ينطلق من ذواتنا أولًا ولنبني معًا مجتمعًا واعيًا مثقفًا، وذلك من خلال غرس حب القراءة في نفوس أطفالنا وتوفير جو عائلي مثقف لخلق جيل للمستقبل كل همه الثقافة والتعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد