نطفة القضبان

أمسكَ يديها واحتضنها إلى صدره، ثُم طبعَ عليهما قبلة ليست كسابقاتها من القبل، قبلةٌ مفعمة بالأمل، بالحياة، بالرجاء العظيم برب العباد، وبالامتنان لروحٍ ما فتئت تدعو الله أن يجمع شمل شتاتهما، ويُطفئ نيران شوقٍ لم يرحم أرواحهما لمرة واحدة، ثم وضع في كفيّها قطعة من الشوكولاتة المُغلفة، وأطبقَ عليهما، ثم همس في أذنها أن تفتدي هذه القطعة بروحها إن لزم الأمر، وأن تُجاهد في إخراجها من بين براثن الاحتلال الإسرائيلي بسلام، بعد أن أسر لها أن ما بداخل هذه القطعة نطفة محفوظة بكيس من البلاستيك الشفاف.

رقص قلبها طربًا وسعادة، وارتجفتْ يداها حبًا وعشقًا، فما بداخل قطعة الشوكولاتة هذه قد يُحقق أعظم أمنياتِ عمرها، وأسمى أحلامها، علّها تبعث روح الحياة في قلبها من جديد، فتُراكم أملاً على أملها في اجتماعه مع رفيق عمرها، وارتشاف حياة جديدة مليئة بنبض الطفولة وبراءتها.

كلَف الزوج الأسير في السجون الإسرائيلية منذ عقدين من الزمن زوجته بمهمة تهريب طفلهم المُستقبلي إلى بر الأمان، فدّست قطعة الشوكولاتة في جيبها وقبّلت جبين زوجها، ثم أسرعت في تنفيذ مهمتها، وإيصال النطفة سليمة إلى مركز الإخصاب المتخصص.

بدأت الزوجة بتنفيذ واحدة من أغرب عمليات التهريب في العالم، تهريبٌ للحياة من داخل أقفاص الموت والعذاب، تسريب للأمنيات الجميلة من بين ظلمة الغربة، تحريرٌ للأحلام الحبيسة في ظلمات السجن، ونسجٌ لآمالٍ بريئة تمحو مرارة البعد والفقدان.

تهريب النُطف

 طريقة لجأ إليها الأسرى الفلسطينيون المعتقلون في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ سنواتٍ طويلة يقضون أحكامًا بالمؤبدات العالية وعشرات السنوات للتغلب على قهر السجان وتحقيق رغبتهم في الإنجاب، والبحث عن الحياة رغم الحرية المسلوبة، وحفظ لأنسال الأبطال من الاندثار.
حرب أدمغة تدور رحاها بين أناس أقصى ما تمنوه حياة تشبه الحياة، وسجان يمتهن الظلم ويحترف القهر والإذلال، تحميه أقذر عصابة في العصر الحديث.

بدأ الأسرى التفكير في تهريب النطف عام 2000م، بعدما حصلوا على فتوى شرعية من رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين د. يوسف القرضاوي بجواز نقل النطفة وإتمام عملية الإخصاب، إلا أن العديد من المحاولات آنذاك فشلت في تهريب نطفة سليمة إلى خارج السجون لقلة الخبرة في طرق نقلها والمحافظة عليها لساعات طويلة، إضافة لضعف الإمكانات الطبية في حينها.

نجحت أول عملية إخصاب لنطفة مهربة مطلع عام 2012م، للأسير عمار عبد الرحمن الزبن القائد في كتائب القسام في الضفة المحتلة والمحكوم بـ 27 مؤبدًا و25 عامًا، وكان قد أمضى حينها 15 عاما متواصلة داخل السجون، وبعد تسعة أشهر من تهريب النطفة وضعت زوجته الطفل الذي خُلق رغم أنف «إسرائيل» وأطلق عليه الفلسطينيون «سفير الحرية».

كان هذا مفجّر معركة جديدة بين سجان امتهن صناعة الموت، وأبطال عشقوا صناعة الحياة، ليتمكن من بعده عشرات الأسرى الفلسطينيين من تهريب نطف إلى خارج السجن، وتمكن قرابة أربعين منهم في تحقيق رغبتهم بالإنجاب.

بات الفلسطينيون يعدّون أطفال النطف المهربة إنجازًا وطنيًا للأسرى، وتفوقًا جديدًا للحركة الأسيرة، كما منحوا هؤلاء الأطفال لقب «سفراء الحرية»، في المقابل فرضت «إسرائيل» العديد من الإجراءات العقابية والتي تبدأ بحرمانهم من رؤية أبنائهم، ونقلهم إلى غرف العزل الانفرادي وفرض غرامات مالية أو منع زوجاتهم من زيارتهم، إضافة إلى حرمان الأطفال الذين ولدوا من نطف مهربة من إصدار شهادات ميلاد رسمية.

أراد الاحتلال أن يخلّد بعض الأسرى داخل أقبيته فحكمهم بملايين السنين، عقابًا لكل من له سهم في عمليات المقاومة، فتحَدَوا ملايين السنين وتمكنوا من إنجاب أسهم تضاف إلى كنانة معركة التحرير القادمة، ليخلقوا الحياة كلما أُريدَ لهم الموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد