مُنذ حُلول الربيع والشوق يُلهب صدري لربيع الطفولة، حينما كنت أذهب مع صَديقيَّ لنتجول في حقول القرية فنقطف الثمار لنسد جوع الظهيرة بعد صباح طويل قضيناه في المدرسة، وكنَّا نختص منها ثمار التوت الأحمر اللذيذ.
احترفنا حينها تسلق الأشجار فأطيب التوت وأكثره نضجًا و لذَّةً يتركز في أعلى الشجرة -ككل الطيبات صعبة المنال-.

حينها كانت فطرتنا المستكشفة في أوج شدتها، فكنا نجمع القواقع على أطراف القنوات ونصنفها تصنيفًا بدائيًا خاصًا بنا، ولم نترك نوعًا من حَشَرات التربة وعناكبها إلا وتعرَّفنا على شكله ووضعنا له اسمًا مُستوحى من شكله بعيدًا عما أسماه الناس، حتى أننا كنا نعد أرجل الديدان لنفرق بين أم أربع وأربعين والدودة الألفية، أما النباتات فكان لها الحظ الأكبر من استكشافنا وساعدنا في ذلك معرفة يوسف الواسعة بها فقد كان يساعد أباه البستاني في عمله.

واليوم ها أنا ذا أقف  على أطراف القرية أتامل مكان الحقول وأحاول جهدي استعادة صورتها العذبة الماثلة في ذاكرتي ولكن تظل الصورة مشوشة.

فمدخل ذلك البيت يقف مكان شجرة التوت التي طالما وقعت من فوقها حتى تعلمت التسلق و صرت ماهرا فيه ، وهذا البيت ذو الإطلالة الجميلة قد احتل حقل الثوم الذي لم تكن تروينا في قيظ يوليو الشديد  غير مياهه العذبة ، وهؤلاء الشباب المتبارون بالكرة قد شيد ملعبهم حيث كنا نجمع القواقع ونصنفها، أما مجموعة السيارات الفارهة الواقفة هناك فهي تقف على أطلال حوض الري -مصيفنا الريفي الجميل- الذي طالما احتمينا بمياهه الباردة العذبة من نفحات الجحيم في يوليو وأغسطس.

و لكن الأرض ليست المتغير الوحيد في هذا المشهد  بل إن خريف الجمود الذي طغى على ربيعها لم يوفر في نفسي حيلة حتى صرت و ربيع قريتي خريفين جامدين. 

اختفت روحي الفضولية المستكشفة الساعية إلى المعرفة دومًا وحل محلها شبح ممل رتيب يذاكر ما يدرس له فقط ولا يتعب نفسه بالتحرك خلف أي معلومة درسها ولو قيد أنملة، ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك، لكن روحي العنيدة المغامرة التي علمتني صعود أشجار التوت رغم سقوطي الكثير وإصاباتي البليغة جراءه؛ فقدت هي الأخرى في دوامة الحياة العادية المملة فأصبحت بليدًا أكتفي بالمحاولة لمرة واحدة ثم أستسلم وربما لا أحاول أصلًا، حتى إن روحي المبدعة التي ابتكرت مع صديقي تصنيفًا بدائيًا للقواقع وتعرفت على عشرات الأنواع من النباتات والحشرات قد تلاشت فأصبحت نسخة من سبعة  مليارات نسخة تستوطن الأرض، أصبحت ترسًا كملايين التروس المجبرة على الدوران بحجة نظام التعليم ودوامة الحياة والواجبات التي تتطلب العمل والمال…إلخ.

تشوهت فطرتي الطفولية كما تشوه ربيع قريتي الآن..

لكن كيف؟ ومتى حدث كل هذا؟ مضت سنين و لا أدري كيف غمرتنا هذه الدوامة و ألزمتنا الدوران معها 

أظنه فيروس شبيه بالالتهاب الكبدي الوبائي (سي) تفشى في مجتمعاتنا منذ زمن، ولا زال يأكل أرواحنا حتى الآن دون أن نشعر وما يموت لا يجد ما يحل محله فتأثيره في اتجاه واحد فقط الموت ولا شيء غيره.

يصيب الإنسان عند اختلاط دمه بنظام الحياة الأحمق الذي فرضه الناس على أنفسهم فيغرقه أولا في دوامة الدراسة لأجل العمل، والانتظام فيها لأجل التفوق، والالتزام بما في الكتب وعدم التفكير بعيدًا عنه لأجل الدرجات النهائية والالتزام بنظام التعليم لأنه لا بديل عنه، ثم يخرج منها إلى دوامة العمل لأجل المال والاجتهاد في العمل لأجل الترقية فهذا ما سيجلب المستقبل الأفضل (على حد اعتقادنا).

وأثناء كل ذلك وبالتدريج تَجْمُد روح الإنسان كما يتليف الكبد بفعل فيروس سي وما يتليف لا يعود لسابقه أبدًا كما درسنا في علم الأمراض.

لكن!

قد تقاوم بعض الخلايا السليمة وتأخذ في الانقسام لتعويض التلف  وهو ما حدث معي حينما اهتزت روحي شوقًا لربيع الطفولة. وعلى خلاف الالتهاب الكبدي فالعلاج ممكن ومتوافر بدون استئصال عضو أو زراعة آخر، فقط تحتاج جرعتين  من الهمة و جرعة عزيمة لتحرر من قيودك!

فتدرس لأجل العلم والفائدة لا للدرجات والشهادات، و تصير  شغوفًا بالعلم لا مجبرًا عليه وإن فشلت في شيء مرة غامرت فيه  المرة الأخرى و الأخرى  و تتحدى الحياة فلا تكون  بليدًا تعمل وتنتج وتخترع لعمارة الأرض وخلافة الله عز وجل فيها لا للمال والترقية والمكانة الاجتماعية.

حينها ستعود أزهار ربيعك تتفتح من جديد وستسقط بنايات الرتابة والبلادة والجمود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد