إن الشعوب الإسلامية لن تقبل بأي شيء يخالف الإسلام

هكذا قال أحد أكبر مفكري العصر الحديث والرئيس الأول لجمهورية البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش، وهكذا كانت إرادة الشعب البوسني، أن تكون الشريعة الإسلامية مصدر تشريعه، في قانونه وسائر حياته، وهذا ما أكده ذات المفكر في قول ذي معنى بليغ لم يفهمه غير البوسنيين آنذاك: «إن المجتمع العاجز عن التدين، هو أيضا عاجز عن الثورة».

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه، كان لزاما على من حذا حذو الاشتراكية أن يلحق بركب المتفككين، فجاء الدور على جمهورية يوغسلافيا الاشتراكيّة، جمهورية كانت تضم في حضنها الصرب والكروات والمسلمين البوشناق، وكان هذا الثلاثي منقسما حد الصراع، نصف يريد البقاء تحت ظل الاتحاد اليوغسلافي ممثلا بالصرب وتوجه ساحق، ونصف يريد طلب الاستقلال ومدعما بالكروات والبوشناق المسلمين، تطور الصراع ليعلن بعدها في أكتوبر (تشرين الأول) 1991، عن قيام دولة البوسنة والهرسك، ليعقبه في شهر مارس (آذار)  1992، استفتاء على الاستقلال من يوغسلافيا أيده 99.7 بالمئة من المستفتين، لتبدأ بعدها بشهر وبالتحديد في أبريل (نيسان) 1992، الحرب البوسنية التي كان هدفها تقسيم البوسنة بين الصرب والكروات وإبادة المسلمين البوشناق، فيما يلي. سربرنيتشا.. متى يحين العقاب؟

سربرنيتشا مدينة بوسنية جبلية ساحرة الجمال، اشتهرت قديما بصناعة الملح ومناجم الذهب والحديد، قبل أن تشتهر بصناعة الموت والرعب والاغتصاب، صناعة تجسدت فعليا في يوليو (تموز) من عام 1995، تاريخ أبى أن يمحى من ذاكرة البوسنيين وغير من المسلمين، كيف لا، وهو التاريخ الذي عرف انتقال أرواح زهاء 8 آلاف مسلم بوسني من الأرض إلى السماء.

قبل ذلك، شكر المسلمون والعرب الأمم المتحدة على قرارها الذي وصف بالنصر من المسلمين، والتحيّز من غيرهم من المتربصين، القرار ذاك، كان نزع سلاح المجاهدين البوسنيين المدافعين عن أعراضهم وأراضيهم مقابل إعلان بلدة سربرنيتشا مدينة تحت الحماية الأممية، حماية عززت بـ400 فرد من القوات الخاصة الهولندية، الكل إلى الآن يمتدح الأمين العام للأمم المتحدة على جرأته و دفاعه عن الإسلام والمسلمين، لكن، ما حدث بعدها أكد أن الأمم المتحدة كما قالت يومًا أحلام مستغانمي إن وظيفتها في هذا الوجود هو تحويل الأوطان إلى مخيمات.

في ليلة لم تمر مثلها ليلةٌ من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، نظرًا لبشاعتها و فظاعتها، قامت القوات الصربية ليلة السادس من يوليو (تموز) 1995، وبأوامر مباشرة من أعضاء هيئة الأركان الرئيسية للجيش الصربي بالقيام بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد سكان بلدة سربرنيتشا المسلمين، والمجزرة هذه حدثت على مرأى ومسمع من الفرقة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية دون أن تقوم بأي شيء لإنقاذ المدنيين، علمًا بأنها كانت قد طلبت من البوسنيين المسلمين تسليم أسلحتهم مقابل ضمان أمن البلدة، الأمر الذي لم يحصل بتاتًا. فبعد دخول القوات الغازية الصربية البلدة ذات الأغلبية المسلمة، قامت بعزل الذكور بين 14 و 50 عامًا عن النساء والشيوخ والأطفال، ثم تمت تصفية كل الذكور بين 14 و 50 عامًا ودفنهم في مقابر جماعية بمحيط البلدة، كما تمت عمليات اغتصاب جماعية ممنهجة ضد المسلمات، قاصرات أو بالغات ولم تسلم حتى العجائز، استمرت هذه المجزرة حتى 25 من يوليو (تموز) من 1995.

بعد هذه الأيام العصيبة على المسلمين في البوسنة، والمواقف الدولية المنحازة للإرهابين الصرب، أرغمت الأطراف المتصارعة غير متكافئة القوى على الجلوس إلى طاولة التفاوض، طاولة أنجز عنها ما سميت باتفاقية دايتون، التي قسمت الحكم في البلاد على ثلاث، اتفاقية قال عنها عزت علي بيجوفيتش «إن اتفاقًا غير منصف خير من استمرار الحرب».

في سنة 2007 اعتبرت محكمة العدل الدولية مذبحة سربرنيتشا جريمة إبادة جماعية، لكنها في المقابل امتنعت عن تحميل الصرب أو أحد مسؤوليتها نظرا للضغوط الروسية، الضغوط الروسية هذه لحقت حتى لأروقة مجلس الأمن، حيث رفعت روسيا حق الفيتو ضد قرار بريطاني في المجلس لاعتبار مذبحة سربرنيتشا جريمة إبادة جماعية.

انتهت مذبحة سربرنيتشا، ولم ينته معها شيء من آلام وأحزان الضحايا المسلمين، إلى كتابة هذه الأسطر يبقى المجرمون الصرب بين الفرار والاعتقال، اعتقال طال كلا من راتكو ملاديتش، ورادوفان كاراديتش أبرز قائدين للمذبحة في حين يبقى الآخرون طي الفرار، في وقت قامت فيه الحكومة الحالية برفع قضية إلى العدل الدولية من أجل تجريم الجناة، إلى أن يتم الاعتراف أولاُ بهذه المذبحة أتسأل… متى العقاب؟.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد