الديمقراطية ليست غرضًا لذاتها، بل تستمد قيمتها الحقيقية من كونها مجرد وسيلة في صيغها المتعددة لضمان سمو العدالة في مجتمع ما، والحفاظ على سلامة استقراره. فلا تهم صيغة ممارسة الحكم بقدر ما تهم قدرة النظام في أداء الدور المنوط به في ضمان حياة كريمة للجميع تفتح قدرًا من الحرية يكفل للمتضرر حق الأنين بصوت عال. وهنا تصبح المطالب السياسية صياغة مباشرة لمطالب اقتصادية واجتماعية بالأساس. فهيكلة الدولة في صياغتها الحالية هدفها الحقيقي تنسيق الجهود الوطنية لضمان عدالة اجتماعية حقيقية تجعل لكل فرد حقه في الحياة الكريمة واقعًا وتكفل له واقعية حلم الترقي عبر المجهود وصقل الموهبة. وهنا يصبح التفريط في العدل هو مدخل نهاية كل حكم، ومنطلق انهيار كل استقرار.

الاستقرار في عمق مفهومه يتجاوز بكثير المضمون الأمني الذي يحاول إفراغه من أي معنى إنساني ليحصره في عكس الفوضى. الاستقرار هو القدرة على رؤية مستقبل الأجيال المقبلة واضح المعالم دون خوف عليها عسر الأيام. الاستقرار يبنى بالرخاء لا بالقوة، بالحصيلة الحقيقية لا بشعارات واهية في زمن سيادة التقنية التي لا سبيل للتماطل مع عكسها للواقع. الاستقرار يبنى بالإشراك في المسؤولية واقترانها بمحاسبة حقيقية على الأقل سياسية. الاستقرار يأتي بالحد من التفاوتات الطبقية وعدم السماح لغلبة الطبقة المنكوبة أمام المتوسطة والغنية.

الاستقرار هو استيعاب مطالب الشباب دون اعتبارها طيشًا أو تهورًا. الاستقرار هو اعتبار المساس بكرامة المواطن مساسًا بكرامة الوطن وكبيرة لا يسكت عن مرتكبها. الاستقرار تبنيه الثقة بين الشعوب وأنظمتها، الثقة التي تترجم فعلًا لا وعودًا أو كلمات تتحدى الواقع والمنطق. الاستقرار يتم عبر مساعدة كل مواطن على بساطة أحلامه في إيجاد ما يعطي المعنى لوجوده. الاستقرار يضمنه بناء الوطن أولا على ضمان الحقوق الأساسية وأولها عدالة القانون وسريانه على الجميع، وثانيها عمومية التعليم والحرص على جودته، وثالثها مستشفيات عمومية تضمن للمواطن البسيط إمكانية بلوغ العلاج في كرامة لا يزيد انتهاكها من عمق علته. وهذه الأسس في غيابها تُسقَط تلقائيا شرعية أي نظام ويصبح هو نفسه المسؤول المباشر عن أي تهديد يطال الاستقرار.

صناعة الاستقرار تقوم أيضًا على المراهنة على الشعوب، لا على أي جهة أخرى. فالتلاحم بين مكونات الوطن الواحد، وحرصها على استمرارية الحوار بينها هو ما يقطع الطّريق أمام أي نوع من التّدخّلات الخارجية في أي اتجاه. ولا يمكننا في هذا المضمون أن نغفل أي أنواع التدّخل بما فيها الرسمية، فالسياسات الاقتصادية مثلا، التي ترهن بلدان بين يدي الدائنين من الصناديق الدولية، هي نموذج حقيقي لفتح الباب أمام تدخلات خارجية تفرض من الإجراءات ما يكسر الاستقرار الاجتماعي ما دامت قائمة فقط على الجشع الربوي لواهبي القروض.

صناعة الاستقرار كغيرها من الصناعات تتطلب استثمارًا في آليات الإنتاج وهي الخدمات العمومية، وسياسات التسويق ويمثلها الإعلام الناضج، والإبداع في صياغة المنتجات وهذه تمثلها كفاءة الأطر، والقدرة على المنافسة في الأسواق وتعكسها صلابة العرض الذي يقدم أمام أي نقد يطاله. وقائمة على وفرة اليد العاملة وهي طاقات الوطن التي يبنيها الاستثمار في البشر، وعلى قلة التكلفة عبر نزاهة تسيير الموارد العمومية.

الحديث عن صناعة الاستقرار يحمل ضمنيًا نظرة متفائلة نحو المستقبل ورغبة صادقة في البناء. وهذا يقتضي أن نحسم مع التساؤلات حول مسببات الفوضى وهادمي سلامة الاستقرار بالتصالح مع الواقع وترك الماضي للتاريخ يحكم على تفاصيله. الوضع الذي تعيشه المنطقة العربية يحمل رسائل للجميع، وأولهم من يتحملون مسؤولية السلطة التنفيذية، ففي نهاية المطاف هم فقط من يملك أن يبني الاستقرار ويحافظ على سلامته وينهي تواجد مسببات هشاشته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد