«الديمقراطية: بين حلاوة التعريفات وقذارة التطبيقات»

في ظل البحث في معاجم ومقالات وكُتب عديدة تضع تعريفًا وافيًا للديمقراطية؛ لم أجد تعريفًا أعظم وأبلغ من التعريف المذكور في القاموس اليوناني، فوفقًا للقاموس اليوناني فكلمة «ديمقراطية»؛ ترجَمتِها هي «δημοκρατία»؛ وهذا المصطلح مكوَن من شقين؛ الشق الأول هو كلمة «δημο» والتي تعني «الشعب»، والشق الثاني هو كلمة «κρατία» والتي تعني «الحُكم» أو «السلطة»؛ فتكون الكلمة مُجملًا معناها «حُكم الشعب»؛ فهذا التعريف يوضح الوظيفة الجوهرية للديمقراطية؛ ألا وهي وظيفة تحويل مكانة الشعب؛ من مجرد فئة محكومة تقع عليها الأحكام من سلطة الدولة العُليا؛ إلى فئة ذات شأن وتوغلات سياسية عن طريقها تشارك في رسم ملامح المشهد السياسي للوطن، الديموقراطية هي الأداة التي من خلالها يكون الشعب حاكم لا محكوم؛ ويبدأ الشعب من خلال الديمقراطية في أن يرتدي ثيابًا لطالما أوهمته السلطة العُليا بإرتدائه، ألا وهو ثياب «الحقوق»، فعن طريق الديمقراطية يبدأ الفرد في تقرير مسارات الدولة وتحديد خطوطها العريضة والرفيعة أيضًا، ولكن نظرًا إلى كَون هذا التعريف؛ أو هذه الآلية الغربية والأداة الموبوءة التي تُدعى «ديمقراطية»؛ هي أداة «عادلة بشكل ملائم للكرامة الإنسانية والحقوق الآدمية» فلقد قرر الإله الأعلى «الدولة» أن يتولى شئون رعايتنا المُعتادة، وأن يحمينا من شرور مِثل تلك التعريفات البذيئة؛ ولكن في المقابل فلقد وافق الإله – تفضلًا منه – بتمتيع أنظارنا بمِثل تلك التعريفات الطيبة؛ ولكن في حدود عدم التطبيق حتى لا نذوق مرارة التطبيقات السيئة للغاية.

«الهند واليابان والإغريق عند هيجل»

في كتابه الشهير «فلسفة التاريخ»، تحدث هيجل عن الهند واليابان وبلاد فارس؛ ووصفهم بأنهم دول وصلت إلى مرحلة الجمود في مسار التاريخ، ودعاهم كذلك بـ«العالم الشرقي»، وأخبر عن خروجهم عن نطاق تاريخ العالم لوصولهم إلى مرحلة تطورية معينة، ومن ثم تجمدوا عِندها، واستَطرَدَ هيجل مُفسرًا سبب هذا الجمود ليرجعه إلى مستوى الديمقراطية في كل من تلك الدول؛ فعلى سبيل المثال تحدث هيجل عن الهند واليابان بالتحديد بكونهما بلاد لا تتجسد فيها الحرية إلا في شخص واحد فقط؛ ألا وهو الحاكم، الحاكم هو الفرد الوحيد الذي يتمتع بالحرية المطلقة في البلاد؛ هو الشخص الوحيد الذي يتمتع بتفويض العبث في الأرجاء وتحقيق أمنياته وعَيش حياة كريمة، ولكن تقاعُس الهند واليابان لا يتوقف عند تلك المرحلة فحسب؛ فاِنهيار مفاهيم «تمتع الفرد بإنسانيته» لا تعتمد على قمع الحاكم للمحكومين كشأن باقي الدول المقموعة؛ فمجرد إدراك الأفراد لقمع الحاكم يُعد نوعًا من أنواع الاستقلال والإرادة في حد ذاته؛ أما الهند واليابان فلقد وصلوا إلى أرزل الانهيار من حيث نهم – كمحكومين – فقدوا هذا الجزء البسيطة من الاستقلال والارادة؛ فقدوا هذا الجزء بسبب اعتماد استمرارية الحاكم في كُرسي الحكم على أسباب طبيعية لا سياسية؛ أسباب مِثل ثقافة الولاء والطاعة للإمبراطور المترسخة في الفلسفة اليابانية؛ ثقافة أننا نسيج متماسك يدين لليابان بالولاء وأن الإمبراطور هو الإبن الشرعي لهذا الوطن؛ وطن اليابان الذي ولد من رحم آلهة السموات أزناجي وأزنامي (1) (2)، تلك الثقافات المترسخة في هوية المواطن الياباني والمواطن الهندي كذلك الذي تربى على فلسفات بوذا التي تهدف إلى السلام والصبر والطيبة المفرطة والأخلاقيات «الحميدة»؛ فلسفات تهدف إلى إخضاع المواطن الهندي لطاعة الآلهة ومن ثم طاعة الكاهن ومن ثم طاعة الحاكم؛ فلسفات تهدف إلى الخضوع وغرس قيم الضعف في قلب المواطن لتمحي كل بوادر التمرد والإدراك التي يمكن «ولعياذ بالله» أن تنشأ، كل هذه القيم والفلسفات – الهندية واليابانية – تهدف إلى تحقيق مفهوم واحد فقط؛ ألا وهو أن «الاستبداد هو استبداد الطبيعة لا الحاكم»؛ وامتدادًا لهذا الطمس تُمحى هوية المواطن الفردي واستقلاليته وإرادته الحرة فور أن تُصدر للمواطنين فِكرة أن أفعال الحاكم وتدهور الحياة الاجتماعية ليست مجرد بنود أو سياسات؛ بل هي حقائق لا جدال فيها.

و من الضفة الأخرى؛ وعلى الرغم من الاعتراف بكَون الإغريق شعبًا وصل إلى مرحلة متطورة من الاستقلال؛ ولكنه لم يصل إلى القمة بَعد؛ وذلك يعود لنقطتين؛ النقطة الأولى هي أن ثقافة الاستعباد لم تُمح تمامًا من واقع المشهد الإغريقي؛ فالإغريق عوضًا عن تركيز قيم الحرية على فرد واحد فقط وسحبها من أيادي كل أفراد المجتمع – مِثل الهند واليابا- فلقد قاموا بتركيز تلك القيم صوب عِدة أفراد ثم قاموا بسحبها من أيادي الباقيين، وذلك عن طريق تخصيص مجالس الإكليزيا، والإكليزيا هي مجلس التشريع واتخاذ القرارات وعمود السلطة التشريعية عند الأثينيين (3) للأفراد المثقفين؛ وتخصيص الأعمال التي تتطلب جهدًا وعملًا ومشقة بأفراد آخرين، فظلت ثقافة الاستعباد وتخصيص السلطة ملتصقة بالإغريق باختلاف أنهم عوضًا عن تركيز السلطة على شخص واحد قاموا بتركيزها على عدة أشخاص، ولكن ظلت مكانة التخاذل في تركيز السلطة على كل الأفراد موجودة كما هي.

والنقطة الثانية التي أعاقت الإغريق عن الوصول إلى قِمة التطور هي اعتمادهم على العديد من الأساطير والمعتقدات الدينية في رسم ملامح حياتهم الاجتماعية؛ فلقد ظل الإقحام الطبيعي موجودًا داخل سطور الأثينيين؛ ظل إقحام ما فوق الطبيعي بما هو طبيعي موجودًا ومترسخًا بين الأثينيين رغم نواتجه الفاسدة التي أدت بِهم إلى الحكم على القيمة الفلسفية العظيمة «سقراط» بالإعدام عن طريق تناول السُم؛ بتهمة إفساد الشباب ونَشر الإلحاد بين الأثينيين(4)، وهذا هو السلاح الآخر لفرض سلطة الحاكم؛ ألا وهو سلاح الدين .

«الدين بين جدران السياسة: توابع التخلي والإقحام»

يلعب الدين دورًا مهمًّا في وجود مشكلة الطمس والاستبداد الطبيعي عوضًا عن الاستبداد السياسي، فالدين يتميز بكونه مجموعة من القيم التي تباع ولا تُرد؛ نظرًا إلى كونه سفينة ذات اتجاه واحد وذات رسالة واحدة؛ فالاعتراض على الأوامر الإلهية حل غير مُتاح – لصعوبة التواصل – فضلًا عن كَونه يتميز بتبيعات غير محبذة؛ مِثل «غضب الآلهة أو حلول اللعنات»؛ كل هذه المميزات الفريدة تجعل الدين هو السلعة المُثلى لتحقيق أهداف الإمبراطور أو الحاكم أو السيد، فالدين هو الذراع الحساسة القابلة لـ«اللوي والتحريك لدى المواطن الصالح»؛ وهذا التسليع للدين والنصوص يصل إلى سقفه وقِمته فور جعل المواطن نفسه يتمتع بهذا اللوي ويطالب بِه، بل يدافع عنه أيضًا! يتحقق ذلك فور مطالبة المواطن بإقحام الدين في السياسة على الرغم من تبيعات هذا الإقحام؛ فعلى سبيل المِثال إقحام الدين يؤدي إلى تسليع رغبة المواطن وتسخير آرائه لخدمة مصالح الحاكم، فضلًا عن تسليع الدين نفسه الذي من المفترض أنه شيء مقدس لا يصح المساس به أو تسخيره لمصالح شخصية؛ وتلك هي أول الأسباب التي توجب علينا نزع الدين من سطور السياسة؛ ألا وهي أن هذا التخلي سيُرجع للدين قيمته المقدسة وسيحفظ العلاقة الخام بين الإنسان والإله، وسيُهبها قيمتها الحقيقية التي تتمثل في كونها علاقة خالية من أي شوائب دنيوية، ذلك فضلًا عن تعريفات الدين والسياسة التي تتعارض شكلًا وموضوعًا، فالدين هو قيم مطلقة ويقينية، بينما السياسة هي أسس وبنود نسبية تعتمد على وعينا كبشر وعلى مدى تطور نظرتنا التحليلية للواقع؛ وتلك النظرة التحليلية تتميز بالتغير؛ على عكس الدين الذي يتميز بالثبات.

كل هذه السياسات الممنهجة التي تُخضع الفلسفة والدين والثقافة لخدمتها لتحقيق تفرد الحاكم بالسلطة أو تضمن له حق حياة سوية؛ كلها سياسات تربو على مفهوم القمع التقليدي الذي ترعرعنا بجانبه؛ فالقمع لا يُختزل في سِلاح موجه ناحية الفرد أو صاعق كهربائي يجعل المُعتقل يرتجف؛ بل قد يأتي القمع عن طريق اِستلذاذ الفرد بِه ودعمه والدفاع عنه، هذه هي تبعات زرع القمع واقعًا يستوجب الخضوع لا فِعلًا يستوجب التمرد؛ هذه هي تبعات القمع الفكري التي تصل بِنا إلى محطة جعل القمع الإنساني برمته روتينًا يوميًّا لا يقبل الجدال ولا يقبل التذمر؛ محطة جعل القمع والسلطوية فرضًا من فروض الله عز وجل؛ نعوذ بالله من السهو عنها؛ ونحمده فور تلقيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد