جوزيف ستالين أحد أبرز وجوه القمع في القرن العشرين إن لم يكن الأبرز على الاطلاق، قسوة لا نظير لها وقبضة حديدية هيمنت على إمبراطورية واسعة مترامية الأطراف لعقود عده، بعد نجاحة في إقصاء معارضيه من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي وانفراده الكامل بالسلطة 1928م يبدأ عهدا من الرعب قلما نرى له مثيلا استمر حتى وفاة الرجل 1953م، أشهر الديكتاتور الاستثنائى طوال عهده سيفا مصلتا على رقاب الجميع بطول اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية وعرضها، سيفا لم يكن ليأمن صولته أحد كائنا من كان وإن ثبت ولاؤه وطال أمد خدمته، ملايين عده من الضحايا كان أكثرهم حظا من قضى نحبه لوقته دون المرور على معسكرات التعذيب الرهيبة وعلى رأسها الجولاج أحد اسوأ المعتقلات سمعة على مر التاريخ، ترك الرجل وراءه سجلا حافلا من القمع يضرب به المثل ولا جدال ويستشهد به ولا ريب عند ذكر أكابر الطغاة وأشدهم قسوة وأسواهم سيرة فمن نفي وتهجير وسط ظروف بالغة السوء لشعوب بأكملها وعن بكرة أبيها الى أصقاع سيبيريا المهلكة كشعوب القرم والقوقاز ابان الحرب العالمية الثانية إلى حملات تطهير دورية طالت ملايين الأبرياء وألقت بهم إلى معسكرات العمل حيث الموت أعز صديق تنتظره فهو الوحيد القادر على إنهاء معاناتك، عقود عدة مرت على نهاية حكم الديكتاتور المخيف وستاره الحديدي وبتفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار جمهورياته ديسمبر 1991 م لم يتبق إلا إرث الرعب وذكرى من قضوا نحبهم إبان حكم الرجل، بنهاية البلاشفة وعهدهم أظهر الروس انفتاحا على تاريخهم تحت حكم الشيوعية ومراحلها من الظهور إلى الأفول وبدا مفاجئا مقدار الشعبية الواسعة التي يحظى بها ستالين بين عموم الروس وفقا لاستطلاعات الرأي واعتباره في نظر عديدين رمزا وطنيا بارزا وبطلا قوميا، كيف يمكن لشعوب أن تقع في حب جلاديها وترتفع بهم إلى مصاف الأبطال وما هي عوامل صناعة الديكتاتور التي تجعله محبوبا في أعين الناس وأن أسرف في البطش والقمع.

عن صناعة الديكتاتور وكيف يجعلون شعوبا تعشق جلاديها

1- والد الأمة ورمزها

صورة نمطية تعاد مرارا وتكرارا في مختلف الديكتاتوريات قديما وحديثا عن رأس النظام الأب الذى يتعهد الكل بالرعاية وتحت ظلة تدار مجريات الأمور وفق توجيهاتة الحكيمة المصيبة على طول الخط، وفي ظل حكم الفرد والسلطة المطلقة للنظام والهيمنة الكاملة على كافة أرجاء الدولة ومناحيها حيث التغلغل الكامل في جميع الجوانب الحياتية للمواطن تبدأ تلك الصورة في الترسخ تدريجيا في وجدان الجميع فتصبح بمثابة حقيقة ومبدأ ثابت تدور في فلكه الدولة ومؤسساتها وتنطبع في ذهن المواطن العادي حتى تصبح أقل بادرة للتشكيك فيها بمثابة الخيانة للوطن بأسره، تتفاوت تلك الصورة قوة وضعفا تبعا لقوة النظام المنشأ عليها ومدى نجاحه في تحقيق إنجازات ملموسة للمواطن العادي حتى وإن لم يكن للمواطن مردود ومنفعة مباشرة من تلك النجاحات والإنجازات ففي الحالة الستالينية نجد أنه نجح تماما في نقل الاتحاد السوفيتي من بلد زراعي إلى بلد صناعي ضخم وتحويله إلى قوة عظمى جبارة فترسخت تماما صورة القائد الأب الذي يأخذ بيد أبنائه إلى التقدم والازدهار حتى ظل إلى الآن من يراه بطلا وقائدا حقق لأمته الكثير بينما في حالات أخرى وديكتاتوريات أخرى يؤدي الفشل الكامل والتدهور البين في حالة الدولة واقتصادها إلى أضعاف تلك الصورة تماما بل والتحول إلى السخرية منها حتى وإن كانت سخرية صامتة.

2- اكذب حتى يصدقوك

دائما ما تظل عملية السيطرة على الإعلام والإنتاج الفكري المقدم للجمهور عاملا بارزا في توطيد دعائم الديكتاتوريات فعبر الرسالة الإعلامية تتحكم في الرأي العام برمته وتسير المزاج العام للجمهور وفق ما تشاء فكان الإعلام السوفيتي وسيطرته على صوت الدولة وتقديمه لرؤيته للمجتمع والعالم وفقا للنظرة البلشفية وتثبيت رؤيتهم في وجدان الجموع فبترديد الكذبة وكثرة تكرارها تتحول تدريجيا إلى حقيقة في عيون العموم.

«أي غشاوة قاسية لم يكن لها داع تلك التىي رانت على فهمي وعلام كان العناد والنأي من جانبي عن هذا الصدر الحنون، وانسالت دمعتان سخيتان على جانبي انفه وكان لسان حاله يقول لا بأس فقد انتهى النضال وها قد انتصرت على نفسى وصرت أحب الأخ الكبير» جورج أورويل 1984

ففي حالة الأنظمة شديدة الانغلاق على نفسها كالنظام الستاليني وغياب أي صوت عدا صوت الدولة غرس الإعلام رؤيته طيلة عقود وساعد على إنمائها وتقويتها نجاحات الرجل في عيون الجميع فترسخت الصورة المراد تمريرها عن الرجل وظلت حتى اليوم بقية باقية في أذهان المواطن الروسي عن القائد العظيم والزعيم الفذ، بمرور الزمن والتقدم الواسع لوسائل الإعلام انتهى شكليا وإن لم يكن فعليا عهد التعتيم الإعلامي على الجمهور أو إعطاؤه صورة أخرى مخالفة للواقع فقد تنجح في تمرير الكذبة ولكن لم يعد بوسع أحد ترسيخها أو ضمان استمرارها طويلا فكان مشهد الشوارع الخالية التي ظل الإعلام المصري يبثها في أول أيام ثورة يناير أو تجاهل حجم مظاهرات جماعة الإخوان المسلمين وعمليات القمع العنيفة التي تعرضت له تلك المظاهرات في العام الذي تلا عزل الرئيس السابق محمد مرسي مما يثير الاستغراب من هؤلاء الذين يديرون إعلام دولة ولا يستوعبون زوال زمن التعتيم أو التضليل في عهد السماوات المفتوحة.

3- نشوة الانتصار ونسبه لشخص الزعيم

تحت ظل دولة الصوت الواحد والرجل الواحد ينسب دائما فضل النصر إلى الزعيم بينما يتحمل مسئولية الهزيمة آخرون، عرض عسكري مهيب في الساحة الحمراء في موسكو في التاسع من مايو كل عام يحيي ذكرى النصر على كابوس النازية في الحرب العالمية الثانية واستسلام ألمانيا فبرغم فداحة الثمن المدفوع والذي يصل إلى ملايين الأرواح ألا أن النصر الحاسم على النازية وجحافلها المروعة يعطي ولا ريب زخما وسحرا خاصا لستالين في عيون الروس إلى الآن، تجاهل الرجل تحذيرات أجهزة استخباراته عن اقتراب هجوم الألمان على الأراضي الروسية مما كلف الجيوش الروسية الكثير ناهيك عن حملات التطهير الواسعة داخل الجيش السوفيتي إبان الحرب وتصفية العديد من كبار ظباط الجيش الأحمر مما أثر كثيرا على الجيش الروسي عند بدء الحرب وتعرضه لهزائم ساحقة ووصول الألمان إلى مشارف موسكو إلا أن صمود الشعب الروسي نجح في تحويل مسار الحرب وتحقيق انتصار مبهر وإن كان غالي الثمن دفع ثمنه عشرات الملايين من الروس وجنى ثماره في نهاية الأمر ككل الديكتاتوريات رأس النظام فوضع الرجل في مصاف الأبطال في عيون الشعب الروسي وأصبح بزيه العسكري المتخم بالنياشين رمزا للانتصار على عدو جبار أرعب أمما بأكملها وقتها وسحق جيوشا كاملة وفرض سيطرته على أغلب أوروبا، فالإحساس بالنصر وتقدير من أسهم فيه يكون كبيرا بقدر ما يكون العدو المهزوم قويا وعنيدا، «يفرض كل شخص نظامه بقدر ما يستطيع جيشة الوصول» جوزيف ستالين.

نيكولاى يزوف

4– كبش فداء جاهز دائما

الشرطة السرية الرهيبة NKVD عصا ستالين المروعة وضرباتها التي لا تعرف الرحمة لطالما كان ظلها جاثما مخيما فوق رؤوس الجميع طوال الحقبة الستالينية لم يكن أحد بمأمن منها مهما عظم ولاؤه أو علا منصبه ففي لحظة واحدة قد ينتهي كل شيء، ملايين الضحايا قضوا تحت ضرباتها وزج بهم إلى معسكرات التعذيب الكابوسية، توجيه غضبة الناس تجاه العصا لا من يحملها تستلزم دائما على مر تاريخ الديكتاتوريات كبش فداء يتحمل المسؤولية كاملة عن كل أعمال القمع بحيث تتم التضحية به بمجرد انتهاء الحاجة إليه وتأديته للدور المطلوب منه فيتم تقديمه قربانا لامتصاص غضبة الجماهير بحيث تظل دائما صورة القائد ناصعة بعيدة كل البعد عن القسوة بحق شعبه وأبنائه، يعد نيكولاى يزوف قائد الشرطة السرية في الفترة بين 1936 م الى 1938 م احد ابرز الامثلة عن القرابين التى قدمها الديكتاتور لشعبه محملا إياه المسؤولية وتبعاتها، بعد عملية تطهير واسعة امتدت إلى كافة أرجاء الدولة وطالت حتى قيادات الجيش والحزب الشيوعي والعمال والفلاحين حيث تم شحن مئات الآلاف إلى المعتقلات وجرى إعدام عشرات الآلاف، يقدر عدد الضحايا في تلك الحملة الواسعة والتي سميت بعملية التطهير الأعظم بنحو المليون والنصف لم ينج منهم إلا القليل، بانتهاء الحاجة للرجل وتأديته لدوره المطلوب منه وبعد أن بلغ البطش مداه وتحقق المطلوب وتم التخلص من جميع أعداء الثورة والنظام كما يراهم الديكتاتور يأتي دور نيكولاي يزوف للقيام بمهمتة الأخيرة فيتم إعفاؤه من منصبه كرئيس للشرطة السرية ليقبض علية لاحقا بتهمة التآمر والتخلص من العديدين خلال حملة التطهير لمصلحتة الشخصية ليجري إعدامه 1940 بعد أن تم تحميله المسؤولية عن كل الدم الذي تم سفكة لتظل الصورة الستالينية بمنأى عن أي قطرة دم أبا وزعيما ما كان ليفعل ذلك بأبنائه. ديكتاتوريات عدة لازالت تجد لها مكانا تحت الشمس إلى يومنا هذا، تجاهد للبقاء رغم علمها أنه قد لفظها الزمن وأن ما كان بالامس ممكنا أصبح اليوم ضربا من العبث، تحاول أن تسير على نهج من سلفها من أساتذة القمع ولا ينتج إلا مشهدا ركيكا يبعث على السخرية بدلا من الخوف ويثير الاستغراب من الانفصال التام عن الواقع ومعطياته الجديدة من انتهاء سلطة حكم الفرد من أغلب أرجاء العالم فنجد من يقتل شعبه لكي يستمر في حكمه.

عملية صناعة الديكتاتور لا نزال نراها تجري هنا وهناك وبين حين وآخر على قدم وساق في مشهد عفا عليه الزمن والتعمية على الجماهير وخداعها لتقع في حب جلاديها أمرا لم يعد تحقيقه لفترة طويلة ممكنا، أفلا يعقلون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ستالين
عرض التعليقات
تحميل المزيد