انتهت فترة تجنيدي وعدت لقريتي، لتبدأ معاناتي مع رحلة البحث عن وظيفة. طلب مني أبي أن أذهب معه لأحد أقاربنا في منطقة مصر القديمة، كان عضوًا بمجلس الشعب، عله يساعدني في العمل، غير أنني تقمصت دور الفتى العصامي، الذي يريد بناء نفسه بنفسه دون الاعتماد على واسطة، فقال لي أبي إنني «أقرع ونزهي» و«عيل فقري»، وتركني لحالي بعدما صب على كل ما أوتي من غضب.

قطعًا لم أستسلم، وقررت العمل مدرسًا، فذهبت للإدارة التعليمية بالمركز، ورحت أتردد على المكان لنحو شهرين، حتى تمكنت بفضل الله تعالى من الحصول على موافقة بالعمل مدرسًا بالحصة في المدرسة الإعدادية بقريتنا، فرحبت، وقلت إن «أول الغيث قطرة».

في المدرسة قابلني مديرها بقرف، وأمسك الورقة التي تحمل موافقة الإدارة التعليمية:

أهلا يا أستاذ حافظ، أنت درست في أي مكان قبل كده؟

للأسف والله دي أول مرة، أصلي لسه مخلص جيش.

تمام تمام، طيب أنت تعرف إيه عن التدريس في مدارس الحكومة؟

لا عادي يعني، ما أنا سيادتك كنت تلميذ،.

هههههههههههههه تلميذ! لا الموضوع مختلف تمامًا.

– طيب أنا من إيدك دي لإيديك دي، فهمني.

– الجواب اللي معاك من المديرية بيقول إنك هتشتغل معانا بالحصة، واللي متاح دلوقتي فصل واحد يعني خمس حصص في الأسبوع، يعني عشرين في الشهر، والحصة باتنين جنيه، يعني مرتبك هيبقى أربعين جنيه.

أربعين جنيه؟!

أيوة أومال حضرتك كنت مفكر إيه!

بس دول ميكفوش حتى العيش الحاف!

علشان كده أنا سألتك تعرف إيه عن التدريس في الحكومة، بص يا حافظ أنت زي ابني وأنا مش هسيبك كده.

ربنا يكرمك يا فندم، أيوة اعتبرني زي ابن حضرتك.

مشكورًا أفهمني المدير أنه ليس هناك مدرس يكتفي بما يحصل عليه من راتب حكومي، وقال إنه يمكنني أن أكون ثروة طائلة من الدروس الخصوصية والمجموعات.

علشان كده أنا قررت أديك فصل تانية رابع، وده فيه 70 عيل، كلهم هيبقوا عندك في المجموعة، وهتاخد من كل واحد فيهم 10 جنيه في الشهر يعني 700 جنيه، كويسين؟

الحمد لله فضل ونعمة.

آه بس احنا لينا نسبة.

نسبة؟

أيوة، 50% للمدرسة.

مش فاهم.

أفهمك، أنت أول كل شهر هتسدد للمدرسة 350 جنيه، وأنت بقى تدي العيال مجموعة تقوية تلم منهم 700 جنيه، يعني الصافي 350 ده غير الدروس الخصوصية اللي بعض التلاميذ هياخدوها عندك في بيوتهم أو ممكن عندك أنت في البيت، ودول يا بطل مش هنقاسمك فيهم، حلال عليك، ده طبعا غير الــــ40 جنيه مرتبك من الوزارة، يعني العملية هتلعب معاك.

مضطرًا، قبلت عرض الأستاذ جبر، وبدأ العام الدراسي. 70 تلميذًا أمامي يتكومون كأجولة الفحم، لحم على لحم في فصل مشترك (بنين وبنات). حاولت جاهدا أن أتعرف على أسماء التلاميذ، غير أن مسعاي فشل في بداية الأمر، وانقضى أول شهر لي وقد تعرفت على عدد محدود منهم: صابر ومحمود وحسين ومنى ورجب وفادية وميرفت وسلامة ومؤمن وهدى وعبدالله، وغيرهم.

أولى العقبات التي واجهتني كانت حينما اكتشفت أن تلاميذ فصلي لا يعرفون العربية، ومعظمهم لا يحفظ حتى الحروف الأبجدية، فقد سألت أحدهم في أول حصة لي:

– ?What is your name

محمود.

– ?How are you

– .I am 13 years old

لا يا حبيبي، أنا بسألك ?How are you

– ما أنا قلت لك .I am 13 years old

لا يا حودة، طيب معلش أقعد، حد تاني يعرف يجاوبني؟

رفعت إحدى التلميذات يدها.

أنا يا «ميسطر».

ميسطر؟ اسمها مستر، مش مشكلة، جاوبي يا شاطرة.

– .I am Egyptian

نعم؟ اقعدي اقعدي، حد تاني يجاوبني؟

تطوع تلميذ آخر، فقال:

– .I go to school by bicycle

عاودت السؤال أكثر من مرة، وفي كل مرة كان يأتيني جواب مختلف، إلى أن وقفت طالبة تدعى هدى، وأجابت بشكل صحيح، ففرحت غير أن فرحتي لم تدم طويلًا حين أخبرتني أنها تحفظ كل الإجابات، لكنها طلبت مني أن أسأل الأسئلة بترتيبها الذي حفظوه في السنوات الماضية، وشرحت لي أن الأستاذ عكاشة – أحد مدرسي اللغة الإنجليزية بالمدرسة– حفظهم ردود هذه الأسئلة، بعدما وضع لكل سؤال فيهم رقمًا، فمثلًا السؤال رقم واحد هو (?What is your name) أما السؤال (?How are you) فهو السؤال رقم 5 لهذا لم يستطع أي من التلاميذ الرد بشكل صحيح!

فدفعني هذا لأن أتوقف عن تدريس الإنجليزية لهم، وأن أبدأ رحلة تحفيظ تلاميذ فصل «تانية رابع» الأبجدية العربية أولًا، فلقد كان داخلي إيمان راسخ بأن من لا يعرف «العربي» حتمًا لن تكون له علاقة بلغة أخرى في يوم من الأيام، غير أن فعلتي هذه كادت تتسبب في فصلي من المدرسة.

فوجئت في أحد الأيام بولي أمر طالبة يدخل على الفصل:

سلامه عليكو يا أفندي.

وعليكم السلام يا حاج.

هو أنت أستاذ ايه؟

حافظ، أستاذ الإنجليزي.

يعني مش عربي!

لا أنا بدرس للولاد إنجليزي.

طيب لما أنت بتاع إنجليزي ولا مؤاخذة بتعلم العيال عربي ليه؟ مش تراعي ربنا!

يا حاج العيال ضايعين في العربي محدش فيهم حافظ حتى الحروف.

طيب وأنت مالك بلا قافية!

ما هو مش ممكن عيل ميعرفش يقرا عربي هيعرف يتكلم إنجليزي.

صراحة كده أنت مش نافع وأنا لي كلام تاني مع مدير المدرسة.

خرج الرجل وعاد وبصحبته الأستاذ جبر، والذي طلب مني الالتزام بالمنهج، وشرح دروس اللغة الإنجليزية للتلاميذ حتى وإن لم يفهم منهم أحد شيئًا.

بس يا فندم مش هينفع كده.

– أستاذ حافظ من فضلك نفذ اللي بقول عليه، أو اتفضل شوفلك مدرسة تانية.

التفت مدير المدرسة لولي أمر التلميذة، وقال:

متحملش هم يا حاج سيد، الموضوع ده مش هيتكرر تاني، بس ماتخدناش في دوكة، فين دكر البط اللي وعتدني بيه؟

الليلة يكون في بيتك دكرين بط يا أستاذ جبر.

خرج الحاج سيد وهو يرمقني بنظرة اخترقت قلبي مثل سكين بارد، بينما التلاميذ يضحكون، فيما تلجمت أنا وكأن عقلي توقف عن التفكير، ولم يخرجني من هذه الحالة سوى كلام الأستاذ جبر:

هاه يا أستاذنا فين المعلوم؟

معلوم إيه يا أستاذ جبر؟

الفلوس.

فلوس؟

أيوة يا بني، النهاردة أول الشهر ومطلوب منك 350 جنيه زي ما اتفقنا.

بس أنا مدتش حد دروس، ولسه ما بدأتش المجموعة.

أومال كنت بتعمل إيه طول الشهر؟

يا فندم ما حضرتك شايف.

كنت بتعلمهم عربي مش كده؟

أيوة.

اسمع يا بني الكلام ده مش هعيده تاني، شوف مصلحتك وخلي الدنيا ماشية، هم العيال كدا كدا لا هيتعلموا ولا هيتنيلوا، أنت اعمل اللي عليك وسيبها على الله، مش هكررها تاني الشهر ده سماح، لكن الشهر الجاي هتدفع الفلوس أو تسيب المدرسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد