كما هي حالي منذ الصغر، ما زال قلبي ينقبض كلما أتى الكلام عن الهجرة والسفر إلى الخارج، فمنذ وعيت وأنا أنسجُ خيوط أحلامي الوردية بجعل العالم مكانًا أفضل للعيش.

«يومًا ما سأكون رئيسًا عظيمًا لبلدي وأجعلها أفضل دولة في العالم، يومًا ما سأقود الجيش «الإسلامي» لتحرير القدس، يومًا ما ستتوحد البلاد الإسلامية على يديّ وسيخضع الغرب صاغرًا للقوى العظمى الجديدة التي ستحكم العالم، يومًا ما سأوحد عملة البلاد العربية وسنكون قوة اقتصادية عظمى تفوق أمريكا والصين، يومًا ما، يومًا ما».

أحلامٌ طفولية حالمة لا تختلف كثيرًا عن أحلام أغلب أبناء جيلي ممن تربوا في عصر الصحوة الإسلامية الأخيرة، أحلامٌ بسيطة غير واقعية، ولكنها ساعدت بشكل ما في تشكيل وعي أغلب شباب جيلي بحتمية التغيير والبحث الجاد عن آلياته الحقيقية.

ومع بزوغ فجر يناير، وبعيدًا عن تصورات «الكبار» عن التغيير – تلك التصورات التي ظلت ساذجة تمامًا كسذاجة أحلامنا صغارًا– سرعان ما نشأت دوائر أكثر نضجًا بين صفوف الشباب تُرجمت في مؤسسات طوعية ومبادرات تنموية وفرق معرفية وغيرها.

وأيضًا سرعان ما انسحق أكثرها، وهي ما تزال وليدة تشق لنفسها طريقًا بين تابوهات الكبار العتيقة ذات الشعبية الأكبر، فقد تم دهسها على إيقاع أبواق الانقلاب الذي راق له كثيرًا أن يتسلى باعتقال أفراد تلك الدوائر أكثر من غيرهم وتعذيبهم واغتيال أفكارهم الوليدة!

وبرغم كل ما حدث وما سوف يحدث، لا أجد في نفسي دافعًا يحملني على السفر أو الهجرة، بل أجدني أكثر تمسكًا بما أنا عليه، وأنا هنا أتحدث بالأصالة عن نفسي وعن اختياراتي في الحياة، فهذا مذهبي لا أُلزم به أحدًا، كما لا أدري أيتغير مع تقلبات الزمان أم يبقى على حاله!

في الآونة الأخيرة كَثُر الحديث عن ضرورة السفر، وصار الناس يفاضلون بين السفر إلى هذا المكان أو ذاك، وقابل ذلك تسهيلات تقوم بها الدول للخارجين من مصر حصرًا، فلم يعد السؤال هل أسافر أم لا، وإنما أصبح السؤال إلى أين؟!

في الأعوام الثلاثة الماضية سبقنا بالفعل العديدون – من الشباب بالأخص- في اتخاذ ذلك القرار: بعضهم أُخرج، وبعضهم اختار الخروج. أما الأول فقلبي معه، لم تختره الغُربة ولم يخترها وإنما دُفع إليها دفعًا. وأما الثاني ففي ظني أنه قد اختار الطريق الأيسر وفيه درجات:

– إما لضعفٍ يعلمه في نفسه، وإما لخوفٍ من شيء يجهله أو يعلمه يقينًا؛ ولا أجد فيه بأسًا، بل أظنه لو لم يفعل لكان ممن قال الله تعالى فيهم:

«إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا». «النساء – آية 97»

– وإما بحثًا عن حياةٍ كريمةٍ «جاهزة» «مُعلّبة»؛ وهذا على رفضي لمبدئه إلا أنني لا أجد حرجًا عليه أيضًا!

– وإما يأسًا من محاولة التغيير والإصلاح، وهذا ما أرفضه جملة وتفصيلًا!

بالأمس القريب كان يُعاقب حاملي رايات التغيير والإصلاح بالنفي من بلادهم كي يعزلوهم عن أتباعهم ومريديهم؛ واليوم أرى حاملي تلك الرايات يسارعون إلى إبعاد أنفسَهُم بأنفسِهم عن دائرة تأثيرهم وعن مهد إنجازاتهم!

وما أراني – لو فكرت بالسفر – وكثيرٌ ممن يفكر بالهجرة والسفر من الشباب إلا من هذه الطائفة، ذلك الجيل الذي لم يلبث أن حمل معاول البناء ويُراد له أن يفشل قبل أن يشرع في حفر الأساس حتى!

إذن، لماذا يرفض عقلي فكرة السفر والهجرة؟

• لأن مثلي يرفض أن يتنازل عن حقه بهذه السهولة في العيش بكرامته وأحلامه في بلده ووسط أهله وأحبابه.

• لأن مثلي يرفض أن يعترف بالهزيمة في معركة لم يخضها بعد، ومع ذلك يطالبه الناس بتحمل تبعات معارك أخرى خاضها غيره.

• لأن مثلي يرى أن لبلده وأهلها عليه حقًا وأنه يستطيع بما أتاه الله ويسر له من أسباب أن يؤدي هذا الحق لأهله.

• لأن مثلي لا يرضى بالحلول المجهزة سلفًا له للعيش – على رونقها وبهائها– لأنه ببساطة لم يشارك في صنعها.

• لأن مثلي يشتاق وما على شوقه عتب ولا ملام، يشتاق لبلده يزرع فيها بذور الأمل فيحصد النور بازغًا من كل حدب وصوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد