ورد في الأثر السياسي أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة» وهو قول صحيح وهو أيضًا عصارة وخلاصة ما توصل إليه البشر بعد قرون طويلة من الصراع مع السلطة أو ضدها وقد خلصوا أيضًا إلى أن للسلطة بكل وقت وعصر غرام كبير للالتصاق بالدين والتخفّي وراءه طمعًا في حصانة دينية وقداسة من السماء يفرضها بعض كهنة الأرض.

تحليل للتجربة كما كُتب عنها

والحكاية عن كيفية نشأة العنف الرسمي، ودور السلطة المطلقة التي تُمنح للبعض، فيوظّفها في إذلال وقهر البعض الآخر، ممن ساقه حظه العاثر أن يكون الطرف الأضعف في متلازمة السلطة والقهر .

اختبار سجن «ستانفورد» هو دراسة نفسية هامة عُنيت بالاستجابات الإنسانية للأَسْر ودراسة التحولات السلوكية البشرية تحت الضغط النفسي الشديد للحبس والخضوع للتعليمات، واهتمت أيضًا بدراسة الظروف الحقيقية لحياة السجن.

وقد أُجريت التجربة في الفترة ما بين 14 إلى 20 اغسطس 1971 تحت إشراف فريق من الباحثين يقودهم «فيليب زيمباردو» من جامعة «ستانفورد» وقد قام متطوعون بأداء أدوار الحراس والسجناء وذلك في مبنى يحاكي السجن تمامًا من حيث الشكل والتصميم الهندسي . إلا أن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وتم إيقافها باكرًا.

قسمت المجموعة عشوائيًّا إلى اثنتين متساويتين، واحدة للمساجين والثانية للحراس. من المثير أن المساجين قالوا فيما بعد أنهم كانوا يظنون أن اختيار السجانين أو الحراس كان بناءً على ضخامة أجسادهم أو لصفات جسدية معينة. لكن الواقع أن الاختيار تم بالقرعة باستخدام قطعة نقود، ولم تكن هناك أية فروق موضوعية من حيث البنية بين المجموعتين.

السجن أعد في قبو جامعة «ستانفورد»، وقد وضع «زيمباردو» مجموعة من القيود على المشاركين أملًا في أن تمنع الهذيان والاختلالات في الشخصية، وانتفاء الهوية الفردية.

تسلّم الحراس أدوات وعُصيّ وملابس رسمية اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، وتم تزويدهم بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصري مع المساجين.

وعلى عكس المساجين تمتع الحراس بفترات عمل منتظمة على شكل دوريات، يعودون إلى بيوتهم بعد انقضائها، لكن عدداً منهم صاروا يتطوعون أحيانا لساعات إضافية رغم أنها بدون أجر.

كان على المساجين أن يلبس كل منهم رداءً فضفاضًا من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، وهو أمر رجح «زيمباردو» أنه سيجبرهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسدية غير مألوفة ومزعجة. وقد رمز إلى كل سجين برقم عوضًا عن اسمه، وقد خيطت الأرقام على ملابسهم، وكان عليهم أن يعتمروا قبعات ضيقة من النايلون لتبدو رؤوسهم كما لو أنها محلوقة تمامًا. كما وضعت سلسلة صغيرة عند الكاحل باعتبارها منبهًا دائمًا على أنهم مسجونون ومضطهدون.

قبل بدء الاختبار بيوم واحد، جُمع الحراس لحضور جلسة تمهيدية، لكنهم لم يتلقوا أية خطوط أو توجيهات، باستثناء عدم السماح باستخدام العنف الجسدي. و قيل لهم إن إدارة السجن تقع على عاتقهم، وأن لهم أن يديروه كما يشاؤون.

قدم «زيمباردو» الجمل التالية للحراس باعتبارها خطوطًا إرشادية للعمل:

«يمكنكم أن تولدوا إحساسًا بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعاً نسيطر على حياتهم، من غير المسموح أن تكون للسجناء خصوصيات ولا خلوات. سنسلبهم شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق. بالنتيجة سيقود كل هذا إلى شعور بفقدان السيطرة من طرفهم. بهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة».

في المقابل قيل للسجناء بأن ينتظروا في بيوتهم حتى يحين الموعد ويتم استدعاؤهم. بدون أي تحذير تم اتهموا بالسطو المسلح وجرى اعتقالهم من قبل أفراد شرطة حقيقيين قدموا المساعدة للتجربة في هذه المرحلة فقط من الاختبار.

تم إخضاع السجناء لإجراءات الاعتقال التقليدية بما فيها التسجيل، وأخذ البصمات، والتقاط الصور، كما تليت عليهم حقوقهم تحت الاعتقال. ثم نقلوا إلى السجن المعد للاختبار حيث تم تفتيشهم عراة، و(تنظيفهم من الحشرات الجسدية)) ومنحهم هويات جديدة.

لكن.. سرعان ما خرج الاختبار عن السيطرة. فعانى السجناء واحتملوا ممارسات سادية ومهينة على أيدي الحراس، بدت على عدد منهم علامات الاضطراب العاطفي.

النتيجة

يعتبر هذا الاختبار عرضًا لأنماط الطاعة والانصياع التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي يحظى بدعم اجتماعي ومؤسسي.

لقد وُظف هذا الاختبار لتوضيح وفهم معالم قوة (السلطة)، وتبدو نتائح هذا الاختبار متوافقة مع فكرة (الارتباط المكاني) التي تقول بأن الوضع أو الواقع هو الذي يسبب سلوك الفرد في الاختبار أكثر من أي شيء موروث في شخصياتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد