إن ما توصلت إلى البحث فيه بأن الموسيقى تمثل تأليفًا لنغم وأصوات انبثقت من أصل غريزي فينا، أبدعها الإنسان للضرورة والرغبة الداخلية فيه بإصدار أصوات مختلفة عند الانفعالات التي تراودنا، أصوات حيوانية اكتسبها واستعملها لغاية التواصل وفهم البيئة، فقد استمد الإنسان البدائي صوت الصراخ من أصوات البيئة المحيطة به من أصوات كائنات مختلفة، ومواد ساكنة ومتحركة في الطبيعة التي تحتويه، صرخات بدائية تعبر عما يجول في الإنسان من حالات انفعالية، فنحن نستدعي الأصوات عند طلب الراحة حين تسكننا الانفعالات وتجتاح نفوسنا، أصوات صرخات تختلف حسب حاجة نوع الانفعال الذي يعترضنا.

ومن خلال هذا التقديم سعيت في هذا المقال للبحث والحديث عن لغتنا الانفعالية، لغة الصراخ التي نشأت منذ بدايتنا، وتطورت لتصبح لغة تواصلية بيننا، نعتمدها للتعبير عن كامن أنفسنا في شكل أصوات متشنجة أو نغمات متوازنة، نغم يكون عن انفعالات وعن أحوال، وعلى أثر هذا التقديم يستوقفني التساؤل حول ماهية الصوت ودلالاته الذي لطالما بحثت في طياته، وكيف يمثل تعبيرًا عن انفعالات النفس من خلال ترجمات تصويت صراخ أو تصويت في نغمات موسيقية؟

1– دلالات الصوت الانفعالي ومحاكاته للصوت الموسيقي

– التصويت الانفعالي غريزة وفطرة إنسانية

إن ما أردت شرحه والحديث عنه هو بدايات نشأة صوتنا الذي يظل جدل العديد، فالإنسان وسائر الحيوانات المصوتة تعرفت على ميزة أصواتها خلال تعايشها بعضها مع بعض، وابتكرت لها نغمًا تستعمله خلال الأعراض الطارئة التي تنتاب النفس، أما الأصوات والنغم الذي يستعمله الإنسان فهو رموز وتمثلات يستنبطها العقل كعلامات في الدلالة على الأمور، وتعبير عقلي يدل عن انفعال ما، «فإن في طباع الحيوانات والإنسان إذا طربت أن تصوت على نحو ما من التصويت، وكذلك إن لحقها خوف صوتت صنفًا آخر من التصويت، والإنسان إذا لحقه أسف، أو رحمة، أو غضب، أو غير ذلك من الانفعالات صوت أنحاء من الأصوات مختلفة، وأمثال هذه الأصوات والنغم إذا استعملت ربما حصل عنها انفعال ما أو ازدياده، وربما زال الانفعال أو انتقص[1]»، وعلى غرار ما قيل فإن أصوات الإنسان فطرية حيوانية تختلف نغمها وأصنافها، يصوت بها في كل حال من الأحوال التي تعترضه وتراوده عبر كل لحظة تعايش مع الطبيعة واكتشافه لها، فالإنسان استعمل نغم الصوت للتعبير عما يدور في نفسه، فجعل من الصوت لغة اصطلاحية حسب تلبية أغراضه المختلفة، وألبسه هيئات لنغم صرخات مختلفة بين الضعف والقوة؛ حتى يكون التعبير المقصود أكمل وأوفى وأكثر تأثيرًا في النفس، إلى أن تمكن من ترنيم طبقات صوته، وتعلم طرق اعتمادها في كل حالة انفعال، وتوصل لمرحلة تكوين الموسيقى عبر نغمات صوته المتميزة للتعبير عما يراوده من عواطف وانفعالات في كل لحظة تواصل مع الأشياء أو الكائنات، وكان تأليف الأصوات هو محاكاة لهذه الهيئات الشعورية المختلفة، فكانت هذه الترنيمات والتلحينات والتنغيمات تنشأ عند كل كائن إنساني، تطورت مع كل مرحلة تطور إنساني، تطور الصوت من صوت صراخ مطلق إلى أصوات صرخات تبوب وتأطر في أشكال موسيقية تختلف أجسامها التصويتية، وألحان موزونة، إلى أن عرفت بترنيمات موسيقية تعبر عن انفعالات وجدانية شتى.

– الموسيقى صوت لزمن الحياة الانفعالية الباطنية

وخلال تجربتي في البحث توصلت لكون فن الموسيقى هو فن تآلف الأصوات المنسجمة للتعبير عما يجول في النفس من صور الحياة، وهي لغة منطوقة ومنظمة، عبارة عن مجموعة من الأصوات المتتالية، وكلمة الموسيقى تجذرت منذ القدم واعتبرت كلمة يونانية الأصل، إذ كانت تطلق قديمًا على آلهة الفنون الجميلة في الحضارة اليونانية، وقد يعد المعنى القديم لكلمة موسيقى هو الفنون بصورة عامة، ولكن التسمية انفردت فيما بعد بمعنى لغة الألحان والعواطف، فهي من الفنون التي تحاكي أحاسيس الإنسان وقواه النفسية وانفعالاته، تدور في فلك الإنسان وحده، فهي تمثل فن الصوت في الوقت الذي يعبر عن الأفكار والعواطف في أشكال كبيرة من خلال عناصر الإيقاع واللحن والانسجام التي تدرك عبر السمع.

– الجهاز الصوتي والصوت الموسيقي ترجمة لانفعالات النفس

إن الصراخ والموسيقى أصوات تترجم انفعالات إنسانية مختلفة ومتنوعة، حسب مراحل حياتنا المعيشية، فالصراخ الصوت البدائي الذي تابع مسيرتنا الإنسانية عبر الأزمان، وبه طور الإنسان من صوته البدائي ولغته البدائية المتميزة بأصوات صرخات متفاضلة، وأبدع أنغام موسيقية متطورة عن بدائية الصوت؛ لتعبر عما يجول في كامنه من عواطف وانفعال، فالصراخ والموسيقى تعابير انفعالية تتشابه ترنيماتها الصوتية وتختلف، باعتبار أن الصراخ اللغة الأولى للإنسان والموسيقى.

فالصوت الموسيقي ينشأ من مصدرين: الآلات الموسيقية وحنجرة الإنسان، وكلاهما مصدران متشابهان في خصائص الصوت ومراحل صدوره، فالتناغم والانسجام بين الآلات الموسيقية، وخاصة الآلات الهوائية والحناجر البشرية في فعل النفخ كحركة بين الداخل والخارج في ملء الهواء وإصداره للخارج، كما أنها تتشابه في التأثير في النفس وتعبيرها عن الحياة الداخلية، ويرى هيجل أن للحنجرة البشرية نغمًا يجعل منها آلة خاصة تتكيف مع جميع الآلات، وخاصة الآلات الهوائية، وهذا التشابه بينهما هو الذي استدعاني إلى اعتمادي لهذه الجدلية، واتخاذي من الآلات الهوائية مرجعًا فنيًّا في تجربة بحثي في الصراخ وتأسيسه الصدوي عبر تعابير تشكيلية مختلفة، فما خصائص كل من الحنجرة البشرية التي تعمل على إصدار الصراخ والآلات الموسيقية الهوائية التي تعمل على إصدار الصوت الانفعالي؟

2– جدلية فعل الصراخ وفعل النفخ في الآلات الهوائية

– أصل صنع الآلات الهوائية وغاية التواصل

وتعد الآلات الهوائية آلات مصوتة صنعت أو عدلت لغرض صنع الموسيقى باعتماد عامل تدفق الهواء فيها، وتعد هذه الآلات موغلة في القدم، واعتقد علماء الآثار أن فكرة صنعها انبثقت في الأصل من النفخ في الأصداف، أو قرون الحيوانات التي كان الإنسان القديم يستعملها للحصول على أصوات قوية يتفاهم بواسطتها عن بعد، وبهذه الهياكل الحيوانية من القرون استطاعوا التواصل، وإرسال إشارات صوتية إلى القبائل المجاورة، عبر مسافات طويلة اختصارًا للمسافات، ونوعًا من التواصل، لأن تلك الهياكل كانت تصل عبر الوديان أعلى من أي صوت بشري، وكانت اللغة عبر هذه القرون عبارة على أصوات لفظية، ولم تكن النغمات متفقًا عليها لإرسال رسائل معينة، بل استغلوا الأصوات المركبة لتكوين معاني كثيرة تمامًا كحروف اللغات المختلفة حسب لغتهم التي كانوا يعتمدونها في تلك الفترة من الزمن، وهذا ما استوقفني خلال مراحل تجربة بحثي واعتمادي لمراجع موسيقية، وذلك بالتعمق في عملية البحث وفهم واكتشاف بعض من خصائص الآلات الهوائية، التي تعمل على إثراء الصوت وتشكيله في نغمات موسيقية، عبر فعل النفخ بتنوع واختلاف حسب كل نوع منها وكل شكل.

– المزامير وخصوصية التصويت:

فالمزامير على اختلافها من أهم الآلات الهوائية وقد ذكرها الفارابي في كتابه كتاب الموسيقى الكبير وتناول نسب نغم المزامير تبعا لاختلاف طولها وتجويفها وثقوبها، وتختلف نسب الصوت فيها حسب اختلاف طول عمودها، فاختلاف ارتفاع الصوت يختلف بتغيير طول العمود الهوائي الذي يملأ تجويف الآلة، كذلك تغيير القوة التي ينفخ بها العازف على الآلة فكل ما كانت شديدة كلما زادت حدة الصوت.

– الاختلاف في التصويت حسب قوة دفع الهواء:

كما اختلاف الأنامل على الثقب يؤدي إلى اختلاف النغمة، كذلك اختلاف حبس أو تضييق الهواء من مخرج إلى مخرج يؤدي إلى اختلاف الأصوات، فالتحكم بملامسة الثقب هو العامل الذي يعمل على اختلاف الصوت عبر ملامسة لغلق الثقب أو التضييق من سعته. كذلك سبب حدوث الصوت في الحلوق يتمثل في التحكم بكمية دخول الهواء والتحكم بأجزاء الجهاز الصوتي المشابه بالثقوب في المزامير، فاختلاف صوت جهازنا الصوتي رهين بقرع مقعراته، ويوضح الأمرين ذلك في قوله «وأما كيفية حدوث النغم في الحلوق الإنسانية فان الهواء يقرع مقعرات أجزاء الحلق بشدة وعنف، فتحدث النغمة، وكذلك إذا تنفس المتنفس من غير شدة وعنف لا يسمع الصوت[2]»، فيكون النغم الصوتي في الجهاز الصوتي معتمدًا على ملء للهواء وخروجه في أصوات عبر الاهتزاز للحبال الصوتية والتردد لموجات الصوت، فشدة النغم تتكون حسب شدة الهواء، وبتعدد الاهتزازات في الجهاز الصوتي، فحركة الهواء بالجسد الصوتي والآلات الهوائية هو أساس عملية التصويت، فإن خرج الهواء برفق ولم يحدث الاهتزاز والارتداد للجسم المصوت كان تنفسًا لا تصويتًا، يقول الفارابي «ومتى كان سلوك الهواء في منافذ هذه الآلات بغير مزاحمة ومصاكاة لمقعراتها لم يسمع منها صوت[3]»، قوة الهواء المتدفق عبرها هو الذي يحدد قوة الصوت سواء كان حادًا أم مجرد تنفس، ففي القدم لم يكن التمعن في حركة الجهاز الصوتي تمعنًا مباشرًا وبمنتهى الدقة، ومعرفة ما يجري في الجهاز الصوتي للإنسان قد أمكن اليوم التعرف عليه، واكتشاف حركته بفضل المختبرات الصوتية الحديثة، التي تتيح لنا التصوير المباشر لعملية التصويت .

– تماثل التصويت بين الجهاز الصوتي والآلات الهوائية:

وخلال مراحل البحث اكتشفت أنه من المهم أن أغوص في خفايا هذه الآلات والبحث في علاقتها بجسدنا المصوت، فالحلوق البشرية تعد من الأجسام الموسيقية المصوتة، والذي يحاكي الحلوق من الآلات أصناف المزامير، ثم العيدان المعازف وما جانسها، فقد شبه القدماء الجهاز الصوتي بالمزامير، فقد شبهت أصوات الكائنات الحية من حيوانات وأصوات البشرية بالمزامير؛ وذلك لتشابه كل من الجسمين الجهاز الصوتي والمزامير، وذلك بفعل النفخ الذي يمتاز به كلا الجسمين؛ فالجهاز الصوتي يملأ الهواء ثم ينفخه نحو الخارج في صوت، كذلك المزمار يملأ الهواء فيرتد الهواء وينفخ في أصوات موسيقية، فاختلاف مخارج الحروف شبيه باختلاف الثقب، أيضًا أجزاء التصويت الأخرى في الجهاز الصوتي يتشابه مع أجزاء التصويت للمزامير، فالثقب في المزمار بمثابة المخارج في الجهاز المصوت.

كذلك من التماثل في كل من الجهاز الصوتي والآلات الهوائية، وهي حركة الهواء وفعل النفخ في الآلات الهوائية لإصدار الصوت، وأيضًا في جذب الهواء ودفعه في الجهاز الصوتي لإصدار الصوت، فالضغط للهواء الذي يحدث في كلاهما هو المدعم الأساسي والمسبب لصور الصوت عبرهما، كذلك اختلاف الصوت فيهما حسب قوة النفخ والدفع فيهما، فشدة اجتماع الهواء في الجهاز الصوتي يسبب في اهتزاز الأحبال الصوتية وخروج صوت حاد وثقيل، كذلك قوة النفخ في الآلات الهوائية هو الذي يجعل من الصوت أقوى، فكمية الهواء والقوة الدافعة له تلعب دورًا أساسيًّا في تنوع الصوت عبر كلا الجسمين.

كما يتناسب اختلاف التصويت بين الآلات الموسيقية الهوائية والجهاز الصوتي، فاختلاف الأصوات الإنسانية يقتضي اختلاف طول الأحبال الصوتية وسمكها ووزنها، ونسب طول الأوتار هو المصدر المتحكم في ثقل الصوت وحدته، كذلك كما بينا سابقًا في كون نسب طول المزامير هو الذي يحكم في حدة الصوت وانخفاضه، وكما يقال في تناسب التصويت لكل من الجهاز الصوتي والآلات الهوائية «فأسهل ما يمكن أن يوقف به على مقادير تفاضل الحدة والثقل هو طول الأوتار وقصرها؛ فإن الثقل يتبع الطول، والحدة تتبع القصر[4]»؛ فقانون الطول لكليهما لا يختلف في كلا الجسمين المصوتين، قانون الطول في الحبلين الصوتيين في الصوت الإنساني يقابله قانون طول الوتر في الصوت الموسيقي ونسب إصدارهما للصوت متماثل.

– حوصلة

وعلى غرار ما قمت بشرحه وتقديمه في هذا المقال، تعد الآلات الهوائية من أقرب الآلات الموسيقية إلى أصواتنا البشرية، فقد ابتكرها الإنسان للتحسين من جودة صوته وتفخيمه، والإعلاء من درجاته، فحدة صوت الإنسان مهما كانت حادة، تظل أقل حدة من التصويت في الآلات الهوائية التي أنشأها، فهي لا تختلف اختلافًا كبيرًا مع جهازنا الصوتي، وهو ما استوقفني خلال مراحل بحثي في مراجع موسيقية، واكتشافي ما يتناسب مع تجربتي الفنية التي تتمثل في فعل الصراخ لغة انفعالية مترجمة في موجات صوتية موسيقية، باختلاف هياكل التصويت لهذا الفعل الانفعالي، عبر حركة جهازنا الصوتي، والتناسب بينه وبين الآلات الهوائية التي تختلف في أشكالها، لكنها تعتمد فعل النفخ وحركة بين الداخل والخارج، كما هو في حركة جهازنا الصوتي، دخول الهواء وتدفق للصوت الانفعالي.

فلم يقتصر التشابه بين الحلوق الإنسانية والآلات الهوائية، وخاصة المزامير، على فعل النفخ الذي يعمل على حركة بين دخول الهواء وتدفق الصوت فقط، وإنما تشابه الأجزاء المصوتة للمزامير بالأجزاء المصوتة بالجهاز الصوتي، فالثقب في المزمار بمثابة المخارج في الجهاز المصوت، كذلك اختلاف التصويت في كلا الجسمين المصوتين، فقانون اختلاف الأصوات فيهما لا يختلف، قانون الطول في الحبلين الصوتيين في الصوت الإنساني يقابله قانون طول الوتر في الصوت الموسيقي ونسب إصدارهما للصوت متماثل، كذلك الضغط للهواء الذي يحدث في كلاهما؛ فكمية جزيئات الهواء والقوة الدافعة له تلعب الدور في إصدار الصوت واختلافه.

———————-

[1] الفارابي كتاب الموسيقى الكبير، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة 1967ص 64.

[2] عبد الحميد زهيد، كتاب علم الاصوات وعلم الموسيقى دراسة صوتية مقارنة، دار يافا العلمية للنشر والتوزيع المنهل 2010 ،ص50.

[3] المصدر نفسه ص51.

[4] المصدر نفسه ص 51.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد