أبناء عزبة محسن ” طبعا هم مجموعة الشباب الذين لمع اسمهم مؤخرًا بعد قيامهم بكتابة وغناء مهرجان “أولاد سليم اللبانين – مفيش صاحب يتصاحب”، ولمع أكثر بعد تبني عائلة السبكي لفنهم وصناعة نجوم منهم في أقل من شهر، ولا تزال أغنيتهم تتردد في الشوارع والميكروباصات. أما “نجوم العلوم ” فهو البرنامج – الشهير ربما – والذي يعمل القائمون فيه على تبني مجموعة من الشباب العرب للمشاركة بأفكارهم وتقديمها فيه، بحيث تمر أفكارهم بكل المراحل من التصميم حتى التنفيذ، الفكرة أطلقتها مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وربما قليل منا قد سمع بها حتى؛ رغم أنه أذيع في عدة مواسم وعلى قنوات تحقق نسب مشاهدة عالية.

في قصة صعود أبناء عزبة محسن كمثال، يبدو أنهم مقتنعون بما يقدمونه، ويعملون على تطويره (ربما ذاتيًّا) يعتمدون على أنفسهم، بحيث يحصلون بقيادة حسن البرنس على ثقة ودعم عائلة “أولاد سليم اللبانين” ذات المال والنفوذ حسب ما تؤكد أغنيتهم؛ لدرجة قيامها بتكليفهم بكتابة وغناء مهرجان خصيصًا لأحد أفراح العائلة. وعقب ظهورهم يلتقطهم التليفزيون ومن ثم تتلقفهم أيدي عائلة السبكي بصفتها العامل الأكثر تأثيرًا في حقل السينما المصرية اليوم لترفعهما إلى السينما، قصة جيدة تشبه قصص النجاح الغربية فالدولة لا تقف أمامها، بغض النظر عن تقديرك الشخصي للمهرجانات كفن، وللسبكي كممول وداعم، مع مدى حرصه على قيم المجتمع وأخلاقياته.

“الأخوين بدران” أو “هيثم دسوقي” الفائز بالمركز الأول في نجوم العلوم في التليفزيون الخاص، كم مرة بالعام نسمع عن أمثالهم في التليفويون الخاص أو الرسمي المصري؟ كم مرة تكررت ظاهرة عزبة محسن بين هؤلاء؟ الإجابة ربما مرة أو لم نسمع أبدًا.

لكن حديثي ليس عن “أبناء عزبة محسن” أو أي من شباب نجوم العلوم؛ بل أن ذكرهما هو مجرد ضرب للمثل لتقريب الفكرة عن الظاهرتين اللتين تقفان وراءهما، فكلًّا من السبكي (كمؤسسة) ونجوم العلوم (أيضا كمؤسسة) متشابهان في كونهما يعلنان أنهما يتبنيان المواهب الشبابية، يقفان خلفها، ويدعمانها سواء كانت مواهب فنية أو علمية، وأفلحا إن صدقا. ولكن ما العوامل التي تجعل المدعومين من قبل مؤسسة السبكوية يبرزون أكثر من المدعومين ببرنامج دولي في مجتمعنا؟

ربما كفاءة السبكوية، فهم يجتاحون الشباب لكونهم أكفأ. إنهم يقدمون تجربتهم المتكررة ومع ذلك تنجح دائمًا بنفس الشكل المثير، بالإضافة للحماسة غير العادية والإصرار وكأنهم أصحاب رسالة. وما يضمن لهم ذلك باختصار هي السيولة المالية، وذلك بسبب إقبال المجتمع على ما يقدمونه رغم أن المجتمع نفسه ينتقدهم ظاهريًّا. وربما السبب هو مدى تقبل مجتمعنا، فعلينا أن نعترف أن العلم هو سلعة غير رائجة في مجتمعاتنا العربية عموما وإذا قورن بالـ”فن” فهو سلعة بلا قيمة من الأصل، حيث لا اهتمام بالعلم هنا مقابل الفن في غياب من الصحافة والإعلام العلمي والتربوي. وربما السبب هو دعم الدولة: فحتى إن افترضنا عدم دعم الدولة للسبكي وأمثاله، فيكفيها من خذلان كونها على الجانب الآخر لا تدعم العلم والعلماء. عموما لا أريد أن ننسى أثناء المقارنة أنه سواء السبكي أو النجوم فهم مجرد أمثلة ضربت لنتصور الوضع. ولا يمكن استخدامهما وحدهما لإصدار حكم دقيق وتام.

“حينما يبدأ أطفالنا بالنظر إلى العلماء كقدوة ومثل أعلى مثلما ينظرون إلى الممثلين والمطربين، حينها فقط ستبدأ حضارتنا بالتطور نحو مرحلة جديدة”براين غريت – عالم فيزياء نظرية أمريكي

كان من المفترض أن أكتب تحت عنوان “نجوم العلم في زمن المهرجانات”، بحيث يكون حديثًا عن طغيان الأغاني والأفلام “الشعبية” ومتبنوها. لكنني رأيت أن موقفي سيصبح متخاذلًا جدًّا وغير عملي بالمرة. ولم أود إقامة لطمية على الأخلاق والقيم والتراث والفن والشباب. وعن رأيي الشخصي فليس السبكي أو هذا المهرجان أو تلك الراقصة هي أسوأ ما في مجتمعنا. في النهاية يجب أن يكون هناك مسار طبيعي للشباب للصعود بما لديهم من مواهب، بفنهم أو بعلمهم. ونحن من يقرر الجيد من السيء. أدوات قيمة تمثل فرصًا للشباب ليحاولوا ويبدعوا، طريق من عدة طرق، منافذ لتفريغ الطاقة الإبداعية كما تفعل الأندية تمامًا.

لا تعتقدوا أن أبناءكم يولدون ويكبرون ولديهم نفس انتماءاتكم وأفكاركم فالعالم والمجتمع والإعلام يتغير. طريقة استقبالهم للأشياء تختلف عنكم، ودرجة وشكل تأثرهم تختلف، والقيم المتبناة تختلف. إنما عليكم أنتم التدخل وإصلاح المجتمع ذاته ليكون بيئة جيدة بما فيه الكفاية لتربية أبنائكم، وهذا يحدد من يرسم قدوات أبنائنا. فلندع المسارات تتنافس لاجتذاب الجيل القادم، لكن للحق أقله في هذه المنافسة على الإمكانيات أن تكون متقاربة ليكون للشباب فرصة أن يختار بدلًا من أن يموت كمدًا أو “ينحرف”. حينها يمكن أن نوجه الشباب للعلم باعتباره مسارًا كفؤا يضمن لهم نفس مزايا باقي المسارات.

وباختصار فإن انتقاد ذلك الطريق “السيء” دون السعي في إيجاد طريق جيد للشباب لن يجدي. صحيح أن هذا الزمن والزمن القادم يكفل حرية السبكوية وأمثالهم، لكنه لا يصلح أن يكون زمنهم ولا للبلطجة الفكرية، وأنا شخصيًّا لا أرى كل المشكلة في أمثالهم، فليكن القانون فوق الجميع وليترك الناس ليختاروا، بعد أن نوجد لهم بدائل وإلا فلا. كل المؤشرات تؤكد أن هذا هو زمن العلم والرفعة الدينية للأمة، لا تكونوا متخاذلين لاختيار بأيديكم.

الحل

من الغرب والشرق والشمال والجنوب “العالم المتقدم” نحن نأخذ تطبيقات العلم، ونحسب أننا نقاربهم في العلم ونقلل الفجوة بيننا وبينهم بتقليدهم في اللبس والعادات والأعياد، وامتلاك السيارات والتليفونات الحديثة… إلخ، في الواقع لم يعد العالم يقدم لنا السمكة بدلًا من تعليمنا الصيد؛ بل أصبح يصطادها من بحرنا ويطهوها لنا ليقدمها لنا بأضعاف ثمنها، كنا لا نعرف الصيد واليوم لا نعرف كيفية حتى الطهو، فأصبحنا نقصد المطعم بدلًا من البحر، نأكل ونلتقط صور “السيلفي” ولا المطعم لنا ولا البحر عاد بحرنا.

علينا معرفة من نحن أولًا وعلى ماذا تقام ثوابتنا الحضارية.

مبدئيا أنا لا أدعم مسارًا تعليميًّا فاشلًا، ومعنى هذا أنني لا أعارض المهرجانات والسبكي لمجرد رفع شعار الأخلاق الضائعة، لكن بمقدار إفسادهم، موقف مبني على واقع صلب لذا أقول معارضتي لهم لا تعني دعمي للتعليم الفاشل الذي لا يوصل لا لعلم ولا عمل ولا مال بل ويقتل صاحبه في بلادنا، وإن كان أمثال السبكي سيحتوون الشباب بشكل أفضل فلم لا أدعمهم! وإن كان في مصر علينا الاختيار بين طريقين أحدهما يوصل للجحيم والآخر لا يوصل لشيء، فمن الغباء أن تسير في طريق لا يوصل لشيء.لا تقبلوا لأبنائكم تعليمًا لا يعلم ولا حتى يشغل كهذا.

يجب سريعًا العمل على توسيع الاحتضان الشعبي والتبني المالي اللذان اكتسبتهما المهرجانات ولم يحظ بربع الربع منها التعليم الفاشل الحاصل على المركز 139 من 140 دولة، فلربما لو أسست جماعة في مصر لديها حماسة عائلة السبكي لتبني والإنفاق على العلماء الجدد لحلت المشكلة.

أرى حاليًا وعاجلًا رفع يد الدولة الغبية عن العلم وتطبيقاته والتعليم، والعلوم والفنون والثقافة. لا أريد دعمها بل أتمنى على الأقل عدم عرقلتها للجهود المتوسطة المبذولة والتي من الممكن أن تبذل، فمهما بذلنا جهود فإن مناخ التسلط لن يتركك بحالك، لا يرحمون ولا يصمتون، أما نحن فنستطيع بالجهود والإمكانات البسيطة فقط إن تركونا مهما طالت المدة ولكن في كل الحالات من يسير يصل ومن أدمن الطرق يوشك أن يفتح له.. المؤشر مبشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد