بعدما تعرضنا له في المقالتين السابقتين من دوافع وأسباب ومميزات لتبنّي التعليم المرن كمنظومة تعليمية بديلة للتعليم المدرسي، فإن الخطوة المنطقية التالية هي التفكير في التطبيق العملي: كيف يكون؟ ومن أين يبدأ؟ وماهي الاحتياجات المطلوبة؟ وماهي الإمكانات المتاحة؟

 

ولنجيب عن هذه الأسئلة وما يشابهها لابد أن ننظم تناولنا للموضوع بطريقة تسمح بإيجاد الإجابات الصحيحة على هذه الأسئلة. ومن هنا نبدأ باتخاذ التقسيم البديهي لما يجب تناوله بخصوص تطبيق التعليم المرن: 1- الأساس المعرفي (تأهيل الأسرة) و 2- الأساس التنظيمي (تحويل المعرفة إلى خطط واقعية).

 

أولا : الأساس المعرفي
تحتاج الأسرة وخاصة الأبوين إلى تكوين تصورات واضحة وأفكار عمومية عن البدائل المختلفة في تناول التعليم، وعن طرق التربية والتوجيه الفعالة، وعن كيفية استيعاب الأطفال للمعلومات، وعن كيفية قياس مهارات وميول الأطفال، وعن طرق الإدارة المنزلية الناجحة التي توفر الوقت والجهد.

 

كل هذه المعارف تهدف إلى جعل فكرة التعليم والتربية واضحة في أذهان أولياء الأمور، فلا يعقل أن تربي طفلًا وأنت لا تستوعب احتياجاته ولا تعرف إمكانياته.

 

بالرغم أن النظر في كل تلك المعارف في الفقرة السابقة قد يجعل ولي الأمر يشعر بصعوبة تحصيلها وقد يتشكك في قدرته على ذلك وبالتالي في قدرته على تطبيق التعليم المنزلي، إلا أننا نطمئنهم بتبيين أن كل هذه المعارف قد تمت دراستها جيدًا وتحويلها إلى وحدات تدريبية مختصرة وبسيطة، تجعل معرفتها أمرًا سهلًا – وإن كان تطبيقها عمليًا يحتاج إلى ممارسة مستمرة وتذكير وتعاون بين أفراد الأسرة، إلا أن خطوة تعلم هذه العلوم نفسها لن تكون عقبة كبيرة إن شاء الله – وخاصة عند الاستعانة بكل تلك المصادر المتوفرة حولها سواء على شبكة الانترنت أو من خلال المراكز المتخصصة التي تقدم هذه العلوم.

 

ولكي تتضح الصورة أكثر، نطرح لك جملة من المعارف والعلوم التي يفضل أن يحصّلها الأبوان وأن يقوما بوضعها في الاعتبار وإدماجها في العملية التعليمية اليومية. فهذه المعارف تعتبر من أدوات تحويل أي تجربة دراسية أو خبرة تربوية إلى خبرة ممتعة وبناءة ومتميزة كثيرًا عن التعليم التقليدي، وهو الهدف المطلوب أساسًا. يبقى من المهم جدًا التنويه على أن القائمة أدناه لا تحصر كل المطلوب، ولكنها تقدم لكم رؤوس أقلام وتفتح لكم أبواب البحث في المواضيع المشابهة واستكمال هذه القائمة بما ترون من معارف أخرى.

 

فمن المعارف المهمة :

 

1- أنماط الشخصية (Personality Styles): الاطلاع في هذا العلم يفيدك كثيرًا كمعلم ومربٍ، فهو يمكنك من فهم طبيعة شخصيتك، وطبيعة شخصية أطفالك. بحيث تختار أفضل الطرق للتواصل بينكم، وماهي عيوب ومزايا كل شخصية، بحيث تتجنب أسباب الصدام بينك وبين أطفالك خلال العملية التعليمية. توجد الكثير من المصادر حول هذا الأمر، مثل هذا الرابط. كما يمكنك التعرف على اختبارات الشخصية المعتمدة علميا من خلال هذا الرابط.

 

2- الاحتياجات النفسية للطفل (Psychological Needs): إن لكل إنسان عدد من الاحتياجات النفسية التي لابد من إشباعها ليحصل عنده التوازن والاستقرار النفسيين. والطفل خصيصًا يكون أشد احتياجًا لإشباع هذه الحاجات النفسية التي تشعره بأنه شخص ذو قيمة وحياة متكاملة. ولهذا يجب على الأبوين ألا يغفلا عن متابعة إشباع هذه الحاجات بشكل متوازن ومستمر. يمكنكم مراجعة هذه الحاجات النفسية على هذا الرابط، أو على هذا الرابط.

3- مهارات الإدارة والتخطيط (Planning and Management): إذا كان الأبوان قد قررا أن يتوليا إدارة تعليم أطفالهما – حتى ولو كان بمجرد الإشراف على متخصصين يقومون بالتدريس الفعلي – فيجب أن يكونا على قدرة عالية في التخطيط وتنظيم أنشطة الأطفال، وفي الإدارة لهذه الأنشطة بحيث يتم تنفيذها بنجاح، وفي المتابعة لنتائج الخطة التعليمية وتقييم المزايا والعيوب، ومن ثم تعديل الخطة أو أسلوب الإدارة. كل هذه المسؤوليات عبارة عن تطبيق فعلي للكثير من علوم التخطيط والإدارة والمتابعة. ولهذا يجب على الأبوين الاطلاع على أفضل التجارب العملية في التعليم المرن، وأيضًا أن يطالعا بعضًا من علوم الإدارة والتخطيط.

 

4- الذكاءات المتعددة (Multiple Intelligences): تختلف قدرات الأطفال – والبشر عامة – وطريقتهم في التفكير، وما يهمهم وما لا يهمهم، و كيف ينظرون للعالم من حولهم (أول ما يلاحظونه، آخر ما يلفتهم، ما يحبونه من الأنشطة، ما يتفوقون فيه من مهارات…). وقد درس هذا الجانب من عقلية الناس العالم الشهير (هوارد جاردنرHoward Gardner)، وخلص إلى أنه من الأصوب أن ننظر لذكاء الشخص ليس فقط بالنسبة للقدرة اللغوية أو المنطقية – وهو ما تركز عليه اختبارات الذكاء التقليدية مثل ال IQ – ، ولكن الصحيح هو النظر للذكاء على أنه أنواع، ولكل نوع منها مقياس مستقل. وقد حدد (جاردنر) سبعة أنواع من هذا الذكاء. وللمزيد من التفاصيل يمكنكم الرجوع إلى هذه المجموعة من الصور حول الذكاءات المتعددة.

 

5- أنماط التعلم (Learning Styles) : مثلما أن لكل إنسان شخصية مستقلة ومختلفة عن غيره، فكذلك لكل طفل طريقة متميزة في فهم واستيعاب المعلومات. هذه الطريقة ترتبط بشكل كبير بنمط شخصيته، وبمقاييس الذكاء المتعددة الخاصة بالطفل. فالتعرف على نمط التعلم للطفل ييسر كثيرًا في اختيار طريقة الشرح المناسبة له، مما يجعل التعلم عملية توافق الطفل وتمتعه. يمكنكم الاطلاع على معلومات عن نمط التعليم من خلال هذا الرابط أو هنا، وللاستزادة يمكنكم مطالعة هذا الرابط أيضا.

 

6- مهارات الإبداع (Creativity Skills): الإبداع هو السلعة الأثمن في زمن الأفكار المعاصر، وهو قدرة الطفل على التعبير والتفكير بطريقة تجمع بين التجديد والأصالة والفائدة. والقدرة على الإبداع ليست موهبة محضة أو خاصة بطائفة من البشر، بل هي مجموعة من المهارات يمكن تنميتها بالتدريب عليها. وقد جمع الكثير من الكتاب هذه المهارات في كتب ومقالات وأبحاث متعددة، مثل هذا البحث.

 

7- أدوات التفكير (Thinking Tools): منذ عدة عقود برزت عدة نظريات لتحليل عملية التفكير السليم، وتحويلها إلى عدة مهارات أو أدوات يتدرب عليها الإنسان – من أي عمر– لتمكن من تنظيم فكره وتحويله إلى خطوات محددة تضمن له عدم إغفال أية أمور مهمة أثناء التفكير في أي موضوع. وهذه الأدوات على بساطتها تصنع عملية تفكيرية في غاية الصحة والجودة، والجميل أنه من الممكن تحويل هذه الأدوات إلى تمرينات أو “ألعاب تفكير” وكذلك يمكن إدماجها في المواد الدراسية أو في الألعاب الترفيهية للأطفال، بحيث يصبح التفكير عملية ممتعة للأطفال. ومن أبرز هذه الأدوات برنامج (الكورت CoRT) والذي أسسه العالم الشهير (إدوارد دي-بونو) ، وبرنامج (التريز TRIZ) الذي أسسه المخترع والكاتب الروسي (جنريش ألتشولر Genrich Altshuller). ولمزيد من التفصيل ، راجعوا هذه الصفحة.

 

8- التفكير الناقد (Critical Thinking): تعد القدرة على انتقاد الأفكار بموضوعية وتحديد صوابها من عدمه من أهم المهارات في العصر الحديث، حيث صار من السهل نشر الشائعات والخرافات عمدًا أو سهوًا. وتتلخص القدرة على التفكير الناقد في المهارة في طرح الأسئلة حول موضوع ما، وتمييز إذا كانت المعلومات المتاحة تؤيد الأفكار أو الآراء أم لا تكفي لذلك. وللمزيد يمكنكم مراجعة هذا الرابط.

 

9- طرق التدريس: عملية التدريس في المدارس من العمليات التي امتلأت جمودًا في العدة عقود الأخيرة، ولا يوجد تجديد فيها إلا القليل من الجهود الفردية. بينما من يتابع التطورات الحديثة في هذا الجانب يجد أن هناك العديد من الفلسفات أو وجهات النظر في تناول التدريس للأطفال. هذه الطرق تجعلنا ننظر للتدريس أو طريقة الشرح وعرض المناهج كما لو كان بحرًا واسعًا فيه الكثير من التجديد.

 

وإليكم عدد من هذه الفلسفات التي تم تطبيقها حول العالم بنجاح:

 

1. طريقة (شارلوت ماسون Charlotte Mason)

2. طريقة (ماريا مونتسوري Maria Montessori)

 

3. طريقة (والدروف Waldorf )

 

4. الطريقة الكلاسيكية (مدرسة في المنزلSchool at Home ): وتعد من أكثرالطرق شيوعًا بين المتعلمين منزليًا. حيث يتم تحويل التعليم إلى جدول منتظم من الحصص حول كل مادة، مع متابعة المواد بالالتزام بالمناهج المدرسية، ولكن تتم إضافة أنشطة وتجارب عملية لتثري المناهج.

5. الطريقة الحرة (اللاأكاديمية Unschooling): وهو تعليم يقوده الطفل برغباته وقدراته، فالتعليم الحر لا يهتم بمتابعة المناهج المدرسية ولا حتى بالشهادات، ولكن يهتم فقط بما يميل إليه الطفل وبما يرغب في دراسته وما يتفوق فيه، ولهذا يعد من أقل الوسائل المختارة في التعليم.

6. الطريقة المختلطة أو المهجنة (Eclectic): هي كما يبين اسمها “خلطة” من أجزاء منتقاة من كل طريقة تعليم، حيث يصممها الأبوان من خلال التعرض لكل طرق التعليم المتاحة، والاختلاط بالأسر التي تطبق التعليم المرن والاستفادة من تجاربهم وأفكارهم.

 

والآن وبعد استعراض بعض المعارف المطلوبة لصناعة منظومة تعليمية متميزة، ينبغي أولًا أن نوضح أن احتياجنا لهذه المعارف لا يعني مطلقا تأجيل التطبيق العلمي للتعليم المرن حتى تتم دراستها والتعرف عليه.

 

ولكن ما ننصح به هو أن يتم ذلك بالتوازي مع عمل الأبوين على تصميم المنظومة التعليمية الخاصة بأسرتهما، وتطبيقها، ومراقبة النتائج ليتم المزيد من التطوير والمراجعة لها بشكل مستمر. ففي نهاية الأمر، التعليم المرن ليس “طبعة مسبقة” يجب تنفيذها بحذافيرها، بل يتغير من أسرة لأخرى، بحسب الظروف والإمكانات والتحديات الخاصة بهذه الأسرة.

 

وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل لمناقشة الجانب التطبيقي العملي، والإرشادات الخاصة بذلك.

 

وأخيرا نعتذر لكم عن كثرة المصادر الأجنبية في المقال، ولكن للأسف أغلب المصادر هنا لا توجد لها مصادر عربية جيدة بما يكفي ليعتمد عليها القارئ العربي، ولعل بعض القراء يشاركوننا جهدنا في ترجمة المصادر المهمة على مشروع ترجمني شكرًا المخصص لهذا الغرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد