نشوب الثورات التي تحركها الشعوب، تنتج عن ثلاثة أمور؛ الجوع والاستبداد والغضب، وجميعها أمور يبدأها الحاكم، ويحركها الشعب المطحون؛ فلذلك ننظر أن الشعب المصري رغم الاستبداد الذي تعرض له، وكم الغضب الذي كان يوجد في أعين المصرين وقلوبهم وداخلهم من الحكام وقواتهم لم تحركهم إلى القيام بثورات، فدائمًا: «الجوع، الجوع»، كلمة السر على مر التاريخ كانت السبب في قيام ثورات المصريين، منذ قدماء الفراعنة، مرورًا بعصور البطالمة والرومان ثم العصر الإسلامي، انتهاءً بثورات الربيع العربي خلال الألفية الجديدة.

وكانت أولى ثورات المصريين خلال فترة الملك بيبي الثاني، الذي حكم مصر لأكثر من 96 عامًا، بعد تردّى أحوال مصر، وانتشار المجاعة، وكثرة العصابات وارتفاع الضرائب، فقام المواطنون بالهجوم على مخازن الحكومة وقصور الأغنياء، حتى اضطر رجال الدين ومَنْ تبقى من الأغنياء للهجرة، وبعد نجاحها خلفت فوضى قاربت المائتي عام، وهي الثورة التي سجلها المؤرخ «إيبوور» في برديته المكتشفة عام 1828، والموجودة الآن في متحف لاهاي بهولاندا.

لقمة العيش

المتابع للمنظور التاريخي للأزمات في مصر، يرى أن سوسيولوجية الثورات في تاريخ مصر ترتبط منذ فجر الخليقة بانخفاض مياه النيل أو ارتفاعها، كما ذكر المؤرخ المقريزي الذي عاش في مصر خلال القرن الرابع عشر الميلادي، بمعنى ارتباطها بلقمة عيش المواطنين من زراعة واقتصاد وغيره، وهو الواقع المعاش الآن في مصر، كما أنها ترتبط بالحنق على تولي كبار مسئولي الدولة للمناصب، واستئثارهم بثروات البلاد دون غيرهم، وهو أيضًا واقع الدولة الآن من حيث استئثار طبقة الأغنياء والأولياء ومقربي السلطة والسلطات، بكل المنافع دون غيرهم، ما يعني أن التاريخ القديم قد يعيد نفسه من جديد وبقوة.

سوابق تاريخية

قد يرى بعض المحللين أن العامل الاقتصادي ليس هو المحرك الرئيس في ثورات محدودي الدخل، خصوصًا مع سيطرة إعلام الدولة ونجاحه في تصدير منجزات دولية وتنموية واقتصادية للبسطاء، لا يراها غيرهم، وهو قول مردود عليه بالتاريخ القديم والمعاصر، حيث كان عصر بيبي الثاني من أكثر عصور الدولة الفرعونية استقرارًا، وكان يرسل البعثات الحربية في مختلف الأقطار، وكان منتصرًا في مختلف الحروب.

وعلى الرغم من ذلك ثارت الجماهير عليه، حتى إن التاريخ المصري لا يذكر وجود تمثال واحد أو أثر واحد يمثّل الملك «بيبى الثاني» في صورة مهيبة، بل على العكس يوجد له تمثالان أحدهما يظهر فيه طفلًا تحمله أمّه، والآخر يظهر فيه طفلًا عاريًا! وهو أمر تكرر كثيرًا في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وغيرهما، بل في ثورة تونس حينما أحرق بوعزيزي نفسه لصفعه من قبل شرطية حالت بينه وبين اكتساب معيشته، ونالت من كرامته، كما وضعت ثورة يناير المصرية العيش ضمن شعارها إضافة إلى الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.

بطليموس الثالث

بعد ثورة بيبي الثاني شهدت مصر ثلاث ثورات للغلابة في عصر البطالمة والرومان، بدأت من عهد بطليموس الثالث أثناء حربه في سوريا، حيث أدت تلك الحرب إلى انهيار الاقتصاد، ومضاعفة الضرائب على المصريين، وبلغ الأمر حد المجاعة، الأمر الذي اضطر المصريين للمقاومة، فأضربوا عن العمل في الحقول والمحاجر، لكن بطليموس عالج الوضع سريعًا بإجراءات اقتصادية واجتماعية ملهمة، حيث سارع باستيراد القمح من فينيقيا وقبرص وسوريا، وتنازل هو والملكة والكهنة عن جزء كبير من دخلهم، الأمر الذي أرضى غرور العامة وقتها.

أما ثاني ثورات تلك الفترة فكانت في عهد «بطليموس الرابع» الذي واصل الحرب مع السوريين، وذلك بعدما أدخل قرابة الـ20 ألف جندي مصري في جيشه ليكونوا سببًا في نصره بعد إتقانهم فنون القتال، الأمر الذي أكسب المصريين ثقة كبيرة بأنفسهم، وجعلهم في تلك الفترة يقومون بثورات كثيرة.

الاحتجاج بفكرة جديدة

وفي العهد الروماني شهدت مصر ثورتها الرابعة للغلابة بعد ثورة الفراعنة وثورتي البطالمة، وكانت تلك الثورة، حينما عاش المصريون تحت الاحتلال الروماني أسوأ فترات حياتهم من حيث تدني مستوى المعيشة والضرائب الباهظة وممارستهم شتى أنواع الظلم على الشعب المصري، فلجأ المصريون وقتها لفكرة احتجاج جديدة بديلًا عن الثورة عبر «الهجرة» من القرى والمنازل هربًا من الضرائب.

الدولة الأموية

شهدت الدولة الأموية أولى ثورات الجياع بالعصر الإسلامي، حينما أصبح عبد الله بن عبد الملك أميرًا على مصر، فتشاءم الناس منه وكرهوا إمارته – بحسب المقريزي -، وعمت المجاعة البلاد حتى بداية الدولة العباسية، وشهدت ارتفاعات بالأسعار أجبرت أهل الصعيد على الهجرة للريف لطلب الغلال، فكان يموت كل يوم عدد كبير من الناس، أيضًا ظهر الطاعون، ثم ازداد النيل جفافًا، فزادت الأسعار، وفرض عبد الله بن عبد الملك مزيدًا من الضرائب، فعمت الفوضى وهاجم الجياع قصر الملك قبل أن يفر للشام.

الشدة المستنصرية

في عهد الخليفة المستنصر عرفت مصر ثورة جياع كانت الأشد بين ثوراتها عبر التاريخ، حينما اشتد الجوع والعوز بالناس فيما يعرف بـ«الشدة المستنصرية» والتي كانت بداية النهاية للدولة الفاطمية، بعدما تصحرت الأرض، وأكل الناس القطط والكلاب، حتى إن بغلة وزير الخليفة قد أُكلت، وحينما علم الوزير بسرقة بغلته غضب وأعدم اللصوص الذين قاموا بسرقتها على شجرة، وعندما استيقظ الناس صباحًا وجدوا عظام اللصوص فقط! وهاجرت الجماهير من مصر للشام والعراق والحجاز، حتى إن أم الخليفة قد هاجرت للشام، وبيعت حارة بأكملها بطبق من الطعام، فسميت بـ«حارة الطبق»، وانتشرت السرقات، ووصل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه، وذهب وقاره، حتى احتاج فباع حلية قبور آبائه، وبدأت تلك الثورة بصراخ سيدة أمام قصر الخليفة «الجوع، الجوع».

انتفاضة الخبز

في العصر الحديث شهدت مصر حالات مماثلة لثورات الجياع عبر التاريخ، لكنها لم تكن ترقى لحد الهجوم على قصر الحاكم أو أكل الجيف ومهاجمة مخازن الحكومة كما حدث قبلاً، وكانت انتفاضة الخبز في عهد السادات مقدمة لمثل تلك الثورات، حينما خرج المتظاهرون للشوارع في العام 77 بسبب ارتفاع أسعار السلع خاصة اللحوم، ورفع الدعم بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي، وهي الثورة التي أطلق عليها السادات «انتفاضة الحرامية»، وانتهت بالقبض على كثير من المتظاهرين وإيداعهم السجون، وشهدت أحداث عنف منها حرق لأقسام الشرطة وأبنية الخدمة العامة.

وفي الخامس والعشرين من يناير 2011 كانت المعيشة الجيدة للمواطنين من ضمن مطالب الثوار إلى جانب العدالة الاجتماعية والحرية.

والآن، تزداد دعاوى عدد كبير من الشباب وكتل المعارضة المصرية للنزول يوم 11/11 المقبل للتظاهر ضد ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وعقب ارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع سعر الدولار إلى 18 جنيها، عقب تحرير صرفة فهل تشهد مصر ثورة جياع جديدة؟

وبرؤية محايدة، نرى أن انهيار الطبقة الوسطى، وزيادة الفجوة الاقتصادية، تجعل حدوث مثل هذه الثورة ليست بالأمر البعيد عن المجتمع المصري، في ظل المؤشرات الاقتصادية السيئة التي يعانيها الآن، والتي يتوقع لها المزيد من السوء، مع انهيار السياحة وانحسار دخل قناة السويس، وانهيار العملة المحلية أمام الدولار، وارتفاع نسبة الدين الخارجي والداخلي، وارتفاع نسب التضخم، وتسريبات تعويم الجنيه أمام باقي العملات، وارتفاع معدلات البطالة، ورفع الدعم، والارتفاع المتنامي في الأسعار، وفي مقدمتها أسعار الغذاء والكهرباء والمياه والغاز والبنزين والسولار.

خلاصة الأمر، الظلم الاجتماعي قنبلة موقوتة، جاهزة للانفجار في أي وقت، وما لم تتحرك الحكومة لتأخذ جانب البسطاء والمطحونين من الشعب، يمكن في أية لحظة أن تنفجر تلك القنبلة في وجه الجميع، وهي اللحظة التي قد يصل فيها الفقراء إلى طريق مسدود، يدفعهم فيه الجوع إلى النزول للشارع وإحراق كل شيء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد