الأفكار تتوارث وفق تطورها الموضوعي:
في أدبيات الإخوان، نشأت الجماعة كرد فعل على سقوط الخلافة، وفي أدبياتهم، مرحلة الهدف هي إقامة خلافة على منهاج النبوة، بالتدريج الذي يعلمه أغلبنا: الفرد المسلم، الأسرة المسلمة، المجتمع المسلم، الدولة المسلمة، الخلافة، فأستاذية العالم.

وبصرف النظر عما يتضمنه هذا التصور من تربة خصبة لكل التصورات والأفكار الإقصائية، إلا أن الأهم بالنسبة لنا، هو التعامل مع فكرة “الخلافة” ودولتها باعتبارها أمرًا مفرغًا منه لا انفكاك عنه، وكأنه معطى إلهي يستلزم التقديس، ومن هنا البداية.

حسن البنا خريج الطرق الصوفية (كان صوفيًّا على الطريقة الحصافية الشاذلية، وللآن رعيل الإخوان الأولين، بعضهم، ملتزم بورد الوظيفة الزروقية)، أنشأ جماعته من رافد التصوف (راجع مذكرات الدعوة والداعية، فصل الطريقة الحصافية)، ورافد آخر من الاشتغال بهَمّ إعادة الخلافة الإسلامية، فنجد من رافد التصوف الأخذ بالألفاظ والأشكال (مُرشد، بيعة، أوراد، محب… إلخ)، ثم يبهت رافد الاشتغال بهم إعادة الخلافة على ما دون ذلك.

 

وبصعود موجة الفاشية سواء في ألمانيا هتلر أو إيطاليا موسوليني، نجد التأثر بداية من الشكل في التنظيم الهرمي (الجماعة بناء حزبي أصيل في الهرمية والعقيدة الحركية)، نهاية حتى بالأدبيات المؤسسة لما يمكن تسميته بالفرقة الناجية.

فاللحظة التي نشأت فيها الجماعة من حيث أحداث سقوط دولة الخلافة، وبزوغ نجم الفاشية في العالم، مع شخصية حسن البنا؛ الشاب صغير السن الذي كان يحاول إقناع والده أنه متحقق قادر على الفعل؛ أدت لتكون مزيجًا يبدو مشوهًا وغير أصيل بين الأفكار النظرية والأفكار الحركية، في شكل جماعة تتوسع قاعدتها بشكل سريع، لنفس الأسباب الموضوعية سابقة الذكر ولغيرها، وعمومًا فإن صورة الدولة القوية ظل الله على الأرض هي فكرة جذابة، بخاصة إذا عشنا تحت ظلها قرون.

ووفقًا للأدبيات التي تأسست عليها الجماعة من أحاديث وخطب ورسائل البنا، فيبدو أنه لم يكن ثمة تماسك، فضلًا عن أصالة في تلك الأدبيات.

لقد كان البنا خطيبًا مفوهًا وواعظًا جامعًا، لكنه لم يقدم أي تصور نظري حقيقي ومتماسك، ولم يكن لديه – كما يظهر لنا- فكانت لبنة الأساس في الجمع والتنظيم التعامل مع ظرف موضوعي بنفي الموضوعية عنه، وإلباسه خرقة إلهية تجعل منه مقدسًا؛ لتنبني عليه سلسلة لا متناهية من الأوهام المقدسة – ضمنيًا- هي الأخرى في العقل الجمعي لأفراد هذا البناء التنظيمي حامي حمى عطيات الله، بأمر الله!

 

مات البنا ولم تعد الخلافة، وتفاقمت الهوة بين الأوهام وبين الحقيقة الواقعية، وازداد بزوغ القوميات. الفكرة التي قامت عليها جماعة البنا، والتي كانت – يا للهول- ثورية من حيث اصطدامها بالدولة من عدة وجوه، سُحقت، لتتحور، وفقًا للموقف الطبقي الذي أُوقفته الجماعة، فضلًا عن تنظيمها غير المتناسق أيضًا طبقيًا؛ للنظر للدولة القومية الحديثة باعتبارها معطى إلهي، يُحد التعامل وفقه ووفق أعمدته ومؤسساته. وفي حين يبدو هذا للعديد رأي غير متوقع، بخاصة ما تعودنا أن تصدره لنا قيادات الجماعة من أفكار الخلافة والأستاذية والولاء والبراء، إلا أن الحقيقة التي توضحها تحركات التنظيم العجوز، هي أنه ليس كل ما يقال حقيقة وليست كل الأشياء كما تبدو، وأنه لا بد من غاية أسطورية تلتف حولها تلك الجموع غير المتناسقة في تنظيم واحد، تبرر لهم أفكارهم غير محددة الملامح.

 

هذه العقلية التي لا تستطيع أن تميّز بين لحظاتها المفصلية فعلًا، والأخرى الوهمية، لم تستطع رؤية الموضوع في سقوط الخلافة، كما لم تستطع رؤيته في بزوغ القوميات، وتأثرت بها على غير هدى، ثمّ لم تدرك ضرورة موقفها إزاء بقايا دولة ما بعد 28 يناير 2011.

حاول عبد الناصر أن يؤسس بحركته لتغيير جذري في بنية المجتمع الاقتصادية، لكن سلسلة من الظروف الخارجية والداخلية، الأولى: الحروب التي خاضتها مصر، والثانية: تفشي الفساد بأوجهه داخل المؤسسات من الأعلى للأدنى؛ أفشل مشروع عبد الناصر، فيما أورثنا للأسف دولة ميتة، تحكم مؤسساتها عقلية لم تعد صالحة للفعل.

بدأت دولة ما بعد عبد الناصر في التمكين لما يسمى بالانفتاح الاقتصادي، للتأسيس لاقتصاد ريعي، أقصى أي أمل في وجود طبقي متمايز وواضح، واستفادت شرائح واسعة من هذا النمط الاقتصادي، من خلال خلق تحالفات مع الكبار في الدولة، خاضعة لقواعدهم، فيما كانت شرائح أخرى تدفع باتجاه التأثير في هذا النمط من خلال محاولات شبه إنتاجية (راجع قضية سلسبيل1992)، لكنها بالطبع وئدت!

من جهة أخرى يمكن النظر للأمر كحالة خطاب ولّى أوانه، مع الاستمرار على رفاته أو ما تبقى منه. بصيغة أخرى: ماتت الدولة إكلينيكيًّا. لم تعد تؤدي وظيفتها التي وجدت لها، وكان لا بد لاستمرارها خلق دوامات فوضى الحقوق الاجتماعية، لتلهي عن الحقوق السياسية، بل الإنسانية، فوزعت موازين القوى داخل الدولة بشكل جديد غير الذي أسست عليه، مثل تقييد يد العسكر سياسيًّا مع ضمان كافة الامتيازات الاقتصادية وزيادة، وفي المقابل تدعيم الشرطة كقوة متنفذة للحفاظ على توازن القوى المسلحة داخل الدولة، وأيضًا للسيطرة من خلالها على مفاصل الأمر الاقتصادي. من هنا كانت الشرطة عضد الدولة الميتة، وعمودها الفقري.

انتفاضة يناير أو كيف تغلّب الطبع على الواقع:

انتفاضة يناير، وكأي حركة ديمقراطية، تفتح مجالات لتحركات سياسية منظمة، لمن يمثل مصالح طبقية أكثر وضوحًا، ممن هم على هامش الدولة وتحت ظلها في آن.

في 28 يناير، كانت العلامة المشهورة هي “كسر” الشرطة. انهارت عصا سليمان: أي العلة في بقاء الجسد الميت إكلينيكيًّا، وكان السبيل إلى تطوير الانتفاضة إلى حركة ثورية (برجوازية) هي الاصطدام مع ما بقي من فتات الدولة، الإجهاز على هذا الجسد الملقى.

نعم، هكذا أرى، كانت انتفاضة يناير سبيل مفتوح على مصراعيه لتغيير جذري في بنية الدولة المصرية، من خلال ضرورة موضوعية، تحتم تحرك شرائح البرجوازية الإنتاجية بشكل ثوري تجاه بقايا دولة الريع، ومن هذا كانت لحظة فوز مرسي، ليست فقط انتصارًا (شكليًّا) على فلول نظام مبارك، ولكنه لحظة مفصلية حقيقية في تاريخ الدولة المصرية للتحول من النمط الريعي للنمط الإنتاجي: ثورة برجوازية، ولحظة فارقة في التمكين لتوسيع الطبقة الوسطى. لكن اللحظات الفارقة تكون هباءً إذا لم يحرك الإنسان ساكنًا تجاهها.

ومجددًا، إنها لعنة المعطى الإلهي، لعنة أسطورة الدولة. وقف الإخوان أمام تراثهم الفكري، وأمام الواقع، أمام تجاربهم التاريخية (التي حتى لم يفهموا أخطاءهم فيها) لمحاولة الاستفادة من أخطائهم! وتجنب الوقوع فيها! فلم يصطدموا بالدولة!

المراجعة النهائية لمتوالية الأخطاء الجسيمة:

على مر تاريخها، كانت الجماعة رقمًا مهمًا في كل الأحداث الانتقالية للدولة المصرية (باعتبارها التنظيم الحزبي الوحيد سياسيًّا بالمعنى الأصيل للتنظيم: العقيدة، والاشتراكات والتراتبية)، وعلى مر تاريخها، وفي كل الأحداث، اختارت الجماعة الموقف الخطأ، بدءًا من ثورتها الرجعية لإعادة (معطى إلهي 1) الخلافة، نهايةً بموقفها غير الثوري الرجعي والمتخاذل في التعامل مع (معطى إلهي 2) الدولة إبان انتفاضة يناير، وما بعد ذلك أيضًا في التعامل مع حدث 3 يوليو، والخطوات الإجرائية لمواجهته.

فمن 3 يوليو 2013، وحتى 25 يناير 2015، اتخذت الجماعة كل الخطوات الخطأ التي يمكن أن تُتخذ في هذا موقف.

 

نهايةً، يجدر بي الإشارة إلى أن ملحق جيل جريدة العربي الجديد (جريدة الزمن العربي الجديد، بحسب ما تصف نفسها)، رفض نشر المقال، بدعوى أنه يحمل “إيقاعًا لغويًّا اتهاميًّا، تخوينيًّا وعدائيًّا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد