لا لوم على لائم ولا عزاء لمن طغى.

تعيش تونس اليوم في هذه الفترة الانتقالية أوج أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فتتزايد الخصامات بين الأحزاب بتضخم عددها وقلة فائدتها للمصلحة العامة إذ نجد العديد من الأحزاب في حين أن الاتجاهات تنحصر في اتجاهين بارزين لا غير يعني بمثابة الذباب على جيفة بالية.. هاته الأزمة السياسية انعكست على الجانب الإقتصادي إذ لم يوفقوا في إيجاد سياسة مالية ناجعة من بعد الثورة إلى اليوم وبتفاقم التدهور الاقتصادي بسبب الكورونا أصبح الوضع الاجتماعي متدهورًا فقد اختلت الطبقات الاجتماعية وسحقت الطبقة المتوسطة حتى صار المواطن عبدًا لبطنه يعيش لجلب لقمة العيش لا غير.

هاته الأزمات في هذه الأصعدة أوصدت الأبواب أمام باقي المجالات فلم يعد المواطن التونسي يكترث بالجانب الثقافي أو التعليمي، بل أضحت من المكملات لا غير، رغما أنها لو دققنا في تاريخ الدول التي وجدت توازنها بعد فترة من الانهيار راهنت على التعليم.

ولكن كيف يمكن اللوم على بلد عاش الأمية من قبل وشهد نتائجها وتجاوزها ثم أعاده الحنين إليها بعد سنين خلنا أننا في مرحلة التقدم لا الذهاب نحو الوراء لذلك لا لوم على لائم.

ما نعيشه اليوم من نسب تثبت أن أعدادًا كبيرة من الشباب تترك مقاعد الدراسة وترتاد المقاهي يؤكد أن الوضع التعليمي في تدهور بداية من التعليم الابتدائي إلى غاية التعليم العالي الذي بات اليوم يصدر الأدمغة للغرب ويمحق ما تبقى من خريجي البطالة كما يقال.

إذا نظرنا إلى برامج التعليم الابتدائي سنجد أنها اليوم قد تغيرت لقد عدلت في كافة المواد لكن لو درسنا هذا التعديل لوجدنا أن الدولة عوضًا عن أن تغير سياستها التعليمية غيرت المواد؛ إذ أن هاته التعديلات خلنا أنها جوهرية لكنها قد زادت في عمق الأزمة فقد أكدت رهانها على كمية المعلومات وليس جودتها، وكأن هاته السياسة التعليمية المنتهجة تسعى لصناعة روبوتات صغيرة عملها الحفظ لا الخلق. فنجد تناسبًا هنا بين ما تنتجه وزارة التربية ووزارة التعليم العالي حيث إنهما يتعاونان للوصول للهدف نفسه؛ تلاميذ وطلبة تحفظ كمية من المعلومات حتى تختبر ما يتغير من مرحلة لأخرى هي كمية المعلومات لا جودتها، وكأن هاته السياسة التعليمية تبحث عن صنع عقول خانعة دورها ترديد ما يقال لها دون تفكير.

لقد تحولت بذلك مهمة العقول من مصدر للفكر والتقدم والإبداع إلى حافظة للمراجع كأرشيف مليء بالأوراق القديمة البالية التي لا تفهم.

إن نتائج هذه السياسة التعليمية المنتهجة منذ سنين نجدها اليوم في مجالنا السياسي، حيث إن العقول المتحجرة التي صنعتها سنين التعلم تفشل اليوم في خلق الحلول لهذا الوضع الذي تعيشه البلاد فلو أنها وجدت مثلًا سياسة مالية ناجحة في باقي الدول لقلدتها دون بحث أو تفكير، ولعل أبرز دليل على ذلك نصوصنا التشريعية القديمة والحديثة التي تعد أغلبها تقليدًا أعمى عاجزًا على حل أبسط المشكلات.

في هذه الحالة كيف يمكن أن نعزي بلدًا على حال هي من صنعه وسعى في خرابه وكيف يمكن أن نعزي سياسيين ظَلَموا وظُلِمول وطغوا؟

اليوم يشهد العالم معاناة من جراء فيروس كورونا مما جعل الكثير من الدول المتقدمة والتي لطالما راهنت على التعليم تلتجئ للتعليم عن بعد حلًّا لهذه الأزمة هذه الدول وفرت دروسًا تكوينية للأساتذة لتعلم تقنية التدريس عن بعد، كما سعت لتوفير كل ما يحتاجه الطالب سواء ماديًّا أو معنويًّا، حتى يتمكن من التعلم عن بعد، وقد فكرت هاته الدول حتى في نفسية الطالب الذي يجد نفسه بين ليلة وضحاها يدرس في منزله عوضًا عن أن يرتاد مقاعد الدراسة، أما التعليم في تونس فهو لا يختلف عن نظيره في الغرب فقد أراد تجربة تقنية التعليم عن بعد ولكن وكالعادة يحضر التقليد الأعمى العرف الذي تمتاز به البلدان العربية، ولكن للتقليد تقنيات وحدود أيضًا.

فقد تفننت البلاد التونسية في استعمال هذه التقنية فلم تلتفت لتقليد الغرب كعادتها وتوفير حصص التكوين للأساتذة أو توفير ما يحتاجه الطالب ماديًّا لخوض هذه التجربة بل قلدت فقط استعمال التقنية فكانت النتيجة من المضحكات المبكيات، طلبة لا يعلمون مآل السنة الدراسية وأساتذة لا حول لها ولا قوة وفروض ستجرى في كل الحالات! ويعود شبح الفشل يحوم من جديد فشل لامس التعليم لمدة سنتين سينعكس عاجلًا أو آجلًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي مستقبلًا، وذلك سببه سوء التقدير فالدول التي لا تراهن على التعليم لا مستقبل يرجى لها، فإن أرادت البلاد التونسية الخروج من عتمة هذا الوضع وصناعة مستقبل نير عليها النظر إلى التعليم وتغيير السياسة التعليمية ككل حتى لا نجبر على تعزية الطغاة على أخطائهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد