قديمًا عند إعلان نتائج الثانوية العامة التي كانت تعلن بالراديو، كانت بعض المدارس نتيجتها (لم ينجح أحد)، ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن ما وصل إليه حال مصر من تردٍّ وسقوط مدوٍّ ذكرني بتلك المدارس المنكوبة.

نعم نحن دولة لم ينجح فيها أحد، كلنا فشلة ولا أستثني أحدًا، بدايةً من الانقلاب وقائده وزمرته، ومرورًا بمناهضي الانقلاب المتصدرين للمشهد الثوري، كما ينضم لقائمة الراسبين كل من الليبراليين والإسلاميين، حتى هؤلاء الجوعى الذين لا يفقهون معنى السياسة ولا حتى الدين فشلوا أن يثبتوا أن لهم حقًّا بالحياة.

الانقلاب

فشل الانقلاب أن يدير الدولة ولكن فشله هذا مدروس ويسير وفق خطة محكمة تهدف لتدمير الاقتصاد تمامًا لكي تقع البلاد فريسة احتلال كامل من قبل صندوق النقد ومن هم يقبعون خلفه، وبجانب الانهيار الاقتصادي لابد أن ينهار الدين داخل النفوس وتنهار القيم، وهذا أيضًا يتم على قدم وساق، يشارك فيه مشايخ الضلال، والتواطؤ الصامت من قبل الشعب.

متصدرو المشهد الثوري

الملف الحقوقي

بداية تأملنا كثيرًا في أن يكون من تحرروا من أغلال العسكر وطاروا بعيدًا عن السجن المسمى مجازًا وطنًا، أكثر منا حرية في إيصال صوت المقهورين الذين غُيبوا خلف جدران المعتقلات أو خلف جدران الوطن، وإظهار وحشية جرائم العسكر كي يحاكموا بها دوليًا، ولكن ها هي السنوات تمر سنة تلو أخرى ولم يُدَنْ أحد؟!

الملف السياسي

لا يختلف كثيرًا عن الحقوقي وربما أسوأ، فإن كان هناك فشل في تحقيق العدل بقضية واحدة بملف انتهاك حقوق الإنسان، فقد فشل مناهضو الانقلاب أن يحتفظوا بوحدتهم فريقًا واحدًا، فتقسموا شيعًا، ليس هذا وحسب بل صاروا يخون بعضهم بعضًا. وكما نجح الانقلاب في تفتيت الصف الثوري داخل مصر، نجح أيضًا في تفتيت صف مناهضيه بالخارج.

الملف الثوري

وتكملة لملفات الفشل ينضم هنا الملف الثوري وبجدارة تُستحق، فمنذ أن طبق العسكر على شعب مصر نظرية الصدمة، بمذابح رابعة والنهضة ورمسيس، لم ينجح أحد بوضع خطة أو استراتيجية لتثوير هذا الشعب القابع تحت نير الاحتلال العسكري. فأصبحت الثورة مرهونة بمبادرات عقيمة في مجملها، عميلة في كثير منها، وموءودة إذا كانت تملك شفرة الخروج من الأزمة.

الليبراليون

كعادتهم يحلمون بالسلطة، وأنا لست ضد أحلام أحد، ولكن ضد أن تستغل غيرك بالخديعة لتحقق مأربك، لم يملك الليبراليون يومًا ظهيرًا شعبيًا، ويُرجع كثيرون ذلك ربما لأنهم لا يستطيعون التواصل مع الناس، وربما لأن معظم المصريين يرون أن الليبرالية أول طريق الكفر بكل ما هو ثابت، ولكن الأكيد هو أن ليبراليي مصر لا يعرفون من الليبرالية غير اسمها، فوجد معظم الناس أنهم يناقضون ما يقولون، ففقدوا مصداقيتهم.

كان دور الليبراليين داخل دولاب الجنون الذي نقبع داخله في بداية الأمر هو التأييد والمشاركة في 30 يونيو، لمجرد أن الانتخابات لم تأتِ بهم، وعندما انقلب العسكر ولم يحصلوا على ما تمنوا فانقسموا منهم من ظل مؤيدًا للعسكر، ومنهم من انضم لمناهضي الانقلاب، لتُظهر لنا الأيام بعدها أن الهدف ليس الشرعية بمجملها وإنما الشرعية التي تعيد لهم حلم العودة لسباق الحكم، وإن كان على رفات أحلام المكلومين من نار العسكر.

الإسلاميون

كرة الثلج المعكوسة، فدائمًا ما تبدأ كرة الثلج صغيرة وتكبر، إلا في حالة الأحزاب والجماعات الإسلامية بمصر، فدائمًا تبدأ بزخم كبير وكلمات توحي أننا صرنا على أبواب عصر الخلافة الإسلامية، لنفاجأ بعد قليل أننا كنا أمام كرة ثلج معكوسة سرعان ما اختفت، ومن أمثلة ذلك:

حزب النور

مخلب القط لأمن الدولة داخل الثوب الإسلامي، فقد خدعوا الكثيرين بسمتهم الإسلامي، وهم يحملون خلف لِحاهم معول الهدم لأول تجربة ديمقراطية عرفتها مصر بأعوامها السبعة آلاف، فظهر بوجهه القبيح في خلفية الانقلاب، مشاركًا بالدم، طامعًا بأن يكون له مكان بدوائر صنع القرار، ولكن كان أول من ألقاه الانقلاب بمزبلته، فخرج من المشهد بخفي حُنين.

الإخوان المسلمون

برغم ما يملكون من خبرة سياسية، لكنهم سقطوا أيضًا، لربما لأنهم حاولوا أن يعيشوا دور الفارس على صهوة فرس بميدان حرب تقبع فيه الدبابة والهاون، فالأهداف التي تقوم عليها الجماعة رائعة ونبيلة لدرجة أنها لا تصلح للسياسة وقيادة دولة، فكان لابد من التصادم وبدلًا من التكيف مع المشهد السياسي المتغير بسرعة الصاروخ وقفوا في حالة جمود متمسكين بمبادئهم، ورفضوا أي نصح من خارجها، فقد نبههم الشيخ حازم أبو إسماعيل إياكم والغرف المغلقة ستلقون بالسجون.

أخفق الإخوان في مواجهة مؤامرات الدولة العميقة باختلاق الأزمات، هذه الإخفاقات مجتمعة جعلت جماعة الإخوان في نهاية المطاف بالنسبة لكثير من المصريين من بقايا النظام القديم أو أنهم «مش قد الشيلة»، وأنهم سيغرقون البلاد والعباد ولابد لهم من منقذ.

ولكن أكبر أخطاء الإخوان فداحة كانت تمسكهم بما يعرف باسم محاكمات قانونية وليست ثورية، وسقوطهم المدوي في فخ انتخابات البرلمان والاستفتاء على الدستور في وقت مبكر جدًا لم يستوعب الإخوان أن التغيرات العميقة في المجتمع المصري التي أحدثتها ثورة 2011 جعلت تماسكه المجتمعي هشًا للغاية، وأن أي انتخابات أو استفتاء قبل التخلص من رؤوس الأفاعي بالدولة العميقة، سيكون هو بابًا للشيطان يدخل منه لتفتيت الصف الثوري وتحويل الثوار لفرقاء، وقد كان.

نعم فشل الإخوان ولكن كلمة حق لقد نجح الرئيس، فلم يكن يصمد أحد بمفرده طيلة عام أمام كل هذه العقبات، فالرجل خُذل من الجميع الصديق قبل العدو.

أما باقي الجماعات الإسلامية فوقفت موقف المتفرج من الأحداث.

ولكن ما الحل أمام هذا الفشل المدوي للجميع؟ الحل هو الخروج من «متلازمة ستوكهولم» التي دخلنا فيها منذ انقلاب 1952 فجميع الشعب المصري بلا استثناء مصاب بتلك اللعنة ولكن بدرجات متفاوتة.

ومتلازمة ستوكهولم باختصار، حيث يطور المخطوف علاقة شاذة من التعاطف الشديد والمشاعر الإيجابية ناحية الخاطف.

وقد ظهر هذا جليًا على شعب مصر بعد هزيمة 67 حيث قُتل 11500 جندي وأسر 10 آلاف آخرين، ومع ذلك خرج الشعب يصرخ مطالبًا القائد المهزوم أن يظل ولم يسأله كيف كذبت علينا ولم يحاكمه على الدماء التي أهدرت، ومن وقتها ظل الحاكم العسكري هو المعبود لدى الشعب المصري مهما كانت جرائمه، وها هو التاريخ يعيد نفسه من جديد وها هي الدماء تراق والبلاد تضيع وهناك من يزالون يصرخون ببقاء القائد المهزوم.

ولن يكون العلاج سهلًا لأنه يحتاج علاجًا جمعيًا لن نخرج فرادى. يجب أن نخرج من إحساسنا بالضعف وأن العسكر من يحمي. يجب أن نخرج من الدونية وأن العسكر أصحاب فضل. يجب أن نخرج من العزلة التي فرضها علينا العسكر فنندمج كمجتمع وليس كجماعات. يجب إعادة صياغة معاني السلوك الأخلاقي ومفاهيم الخير والشر التي شوهها العسكر. يجب أن نثور على كل ما زرعه العسكر داخلنا من أكاذيب لننجح بثورتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داخلي, دولة, شأن, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد