«البيت الذي تمارس فيه الدجاجة عمل الديك.. يؤول إلى الخراب»، هذا هو حال لبنان اليوم، حيث أصبحت كل قبيلة وطائفة فيها أمة، الأمر الذي دفع الشعب اللبناني للتظاهر ضد الطبقة السياسة الحاكمة القائمة على أساس طائفي وإقطاعي، وتعددت النداءات وتعالت الصيحات من أجل تحول سياسي ودعوة سلمية إلى إسقاط نظام الحكم المبني على الطائفية والمحاصصة؛ ومما لا شك فيه أن رحيل منظومة الحكم هذه وزبائنها ورجالها سيريح اللبنانيين عامة، إذ تعود مشكلة لبنان للواجهة لتواكب حركات الربيع العربي المناهضة للأنظمة المستبدة، وما يميز الانتفاضة اللبنانية السلمية أنها شاملة وتضم جميع الطوائف اللبنانية النابذة لأزمة الانتماء منددة بالنظام الذي يمارس سياسة فرق تسد بهدف زرع التفرقة بين أبناء البلد الواحد.

إن الحديث عن إستراتيجية جديدة لبناء دولة لبنانية بكيان وانتماء واحد يستدعي إعادة قراءة في النظام الطائفي الذي تتبناه شبيحة الحكم في لبنان، فلم يعرف اللبنانيون شكل الدولة الديمقراطية بمفهومها العصري والغربي المبنية على الحقوق والحريات، وعلى المساواة وتكافئ الفرص في الوصول إلى المناصب العليا والسلطات، إذ تتميز البلاد في تكوينها وتركبيها الأنثروبولوجي وموقعها الجغرافي والجيوسياسي عن معظم البلاد العربية.

فلقد تحولت لبنان بعدما كانت كتلة موحدة تحت الحكم العثماني وأيام الانتداب الفرنسي إلى أشلاء ممزقة وبقاع متناثرة وطوائف متخاصمة يتاجر بها الداني والقاصي، وما أشبه حال لبنان اليوم بمحنة ملوك الطوائف في أندلس الأمس، حيث تحولت الطائفية إلى جوهر الدولة ومرتع الإيديولوجيات المتفرقة، عبر تبني نمط حكم قائم على احتكار جماعة معينة للسلطة واستغلال الدين في استقطاب الولاءات وشرعنة الظلم والاستبداد، والطائفية في لبنان ليست إلا وسيلة استثمارية تستخدمها النخب السياسية الحاكمة في صراعاتها على السلطة والحفاظ على المناصب والتموقع.

كل طائفة تقول: افتح يا لبنان أبوابك ولتأكل النار أرزك، إذ أصبحت لبنان مرهونة بدويلات داخل دولة، وتستعين كل طائفة بقوى إقليمية ودولية في حالات الاختلافات لغرض تحقيق المصالح وإرساء توازن القوى الطائفية، وبالنظر إلى هذا الوضع القائم يقوم النظام السياسي اللبناني على استخدام قاعدة الطائفية في المجال السياسي والاقتصادي بخصوص توزيع المناصب الرئاسية العليا وتكوين الوزارات ومراكز صناعة القرار، حيث يتم تقاسم المناصب بين ثلاثة طوائف رئيسة لا رابع لها، إذ تسند رئاسة الجمهورية للطائفة المارونية المسيحية، وتسند رئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، ورئاسة الحكومة للطائفة السنية.

يشهد لبنان منذ 17 من أكتوبر انتفاضة شعبية ضد نظام المحاصصة الطائفي، كرغبة ملحة تختلج جوارح الشعب في إنهاء هذا التقسيم الذي يكرس قانون الغابحيث تأكل فيه الطبقة الأقوى الطبقة الأدنى منها وهكذا دواليك، فنظام الريع واقتسام السلطة والثروات غير جدير بتسيير دولة إستراتيجية تلعب دورًا مهما في الشرق الأوسط كلبنان، ومع خروج الآلاف من اللبنانيين من مختلف الطوائف الدينية التي اتفقت على إنهاء هذا التفاوت الطبقي الممنهج بين أقلية تحكم سيطرتها على الثروات ومصادر السلطة والنفوذ وأغلبية ساحقة كادحة تعيش تحت خط الفقر المدقع، دعت هذه الحناجر إلى نبذ الطائفية التي تقصم ظهر لبنان، كما دعت إلى العمل وفق المعايير التي تعتمد على الكفاءة والأهلية في توزيع الأدوار السياسية والاقتصادية والإدارية، غير أن ردة فعل منظومة الحكم الطائفي حاولت تسيير مطالب الحراك كما تعودت أن تسير أزمة الخبز والوقود معتمدة سياسة الترغيب من جهة، وهذا بإطلاق وعود سياسية بإجراء إصلاحات جوهرية في مختلف القطاعات الحيوية للدولة، ومن جهة أخرى استخدم سياسة الترهيب بتخويف الشعب اللبناني بالبعبع السوري واللاجئين.

إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، ونبذ الطائفية والمحاصصة، هو إذًا وعي سياسي جديد بدأ يتشكل في لبنان ليؤسس لهوية وطنية جديدة، المجتمع اللبناني اليوم بمختلف طوائفه ومشاربه يخوض صراعًا سلميًا ضد نفسه أولًا وضد ملوك الطوائف ثانيًا، من أجل التغلب على النزعة الطائفية لصالح الدولة الوطنية الأم، وعلى لبنان وشعبها أن لا يقعا في فخ الحرب الأهلية الطائفية، وعلى الطوائف أن لا تنخرط مع ملوكها في صراع إقليمي – طائفي – بين السنة والشيعة بقيادة إمارات الخليج وإيران والعلويين السوريين من جهة، وبين الطائفة المسيحية التي تكرس لصراع إسلامي – مسيحي تحت ما يسمى بصراع الحضارات والأديان، كما ينبغي اليوم على كل لبناني حر يؤمن بالوطن أن يقف في وجه الاقتتال الطائفي، وما يترتب عنه من تقسيم العباد والبلاد إلى مناطق نفوذ طائفية أو دويلات مجهرية، وعلى كل لبناني يؤمن بوطنه أكثر مما يؤمن بطائفته أن يقف ضد مشروع «افتح يا لبنان أبوابك ولتأكل النار أرزك»، أن يسعى لبناء دولة وطنية لا تخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد، وحري بكل لبناني أن يشعر بالمواطنة والوطنية بدلًا عن أن يشعر بالطائفية والعصبية، فعلى أرض لبنان ما يستحق الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد