ماتت دولة دمشق كما ماتت دولة المدينة المنورة، وعلى جثتها ولدت دولة بغداد، بنى بنو العباس دولتهم على دماء الأمويين بعدما قضوا على نسلهم – أو كادوا – في حادثة فاجعة هزت الدولة الإسلامية في ذلك الوقت. تلك الدولة التي ترنحت ثم هوت على يد أبي مسلم الخراساني. لذلك – وبالرغم من الحضارة التي ازدهرت في عهد العباسيين – فقد كانت لحظات قيام الدولة الوليدة دموية بدرجة لا تضاهيها أي من الدول الإسلامية الأخرى في قيامها.

يخبرنا التاريخ أن ولادة الدول دائمًا ما تأتي مصبوغة باللون الأحمر، نجا من هذا المصير فقط عدة دول لكن الغالبية العظمى بدأت حياتها حاملة سيفها في وجه من سبقها، البعض فعل ذلك لإنقاذ البلاد – وربما العباد – من الانهيار والبعض الآخر فعلها طمعًا في السلطة وبغيًا على سلفه. وقد كانت بداية العباسيين مزيجًا بين هذا وذاك، فقصة العباسيين بدأت قبل أكثر من ثلاثين عامًا من وصول خليفتهم الأول أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، بالتحديد في عهد سليمان بن عبد الملك حين كتب الناس إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبى طالب يطلبون منه إقامة العدل ورفع الجور الذي يعانونه تحت حكم الأمويين.

ولم يلبث أبو هشام أن عهد بالأمر لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس فكان أن بدأت الدعوة العباسية في ارتياد الساحة السياسية والتطلع لإزاحة بني أمية من على عرش الخلافة. وقد كان لأبي مسلم الخراساني دور البطولة في هذه الدعوة التي بدأت من خراسان وتمددت حتى ابتلعت دمشق نفسها فكانت معركة الزاب لحظة من اللحظات الفاصلة في التاريخ الإسلامي، شهد فيها نهر دجلة احتضارَ دولة دمشق التي عاشت قرابة القرن ووصل فيها الإسلام إلى أراضٍ لم يصلها قبلها بل وأحيانا بعدها.

“وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله، فاستعدوا أيها الناس، فأنا السَّفَّاح المبيح والثائر المنيح”.

هكذا بدأ العباسيون دولتهم على يد أول خلفائهم، والذي لُقب بالسفاح فكان اسمًا يصف الكثير مما فعله ببني أمية، ربما يظن الكثيرون أن السفاح كان أقسى بني العباس لكن الحقيقة أن أبا جعفر المنصور – مؤسس بغداد – لم يكن بأقل قسوة، فهو من تخلص من أبي مسلم الخراساني – حامل لواء الدعوة العباسية – وهو كذلك من تخلص من محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والملقب بالنفس الزكية إثر محاولة الأخير الثورة والخروج عليه، بل لقد بويع له فعلاً في المدينة بعدما أفتى الإمام مالك بجواز التحلل من بيعة المنصور. يبدو هنا جليًا كيف صارت الدولة في العهد العباسي دولة سياسية بامتياز لا علاقة لها بالأحكام الشرعية، لا يعني هذا أن الدولة العباسية كانت خارجة على الشريعة، وإنما يعني أن تداول السلطة صار شأنًا سياسيًا صرفًا لا يحمل من عبق الشريعة إلا اسم الخلافة وشرط البيعة، والتي صارت إلى حد ما بيعة صورية.

والمتأمل لحياة الخلفاء العباسيين الأوائل على وجه الخصوص يرى جليًا كيف كان الصراع بينهم وبين علماء الدين في هذا الوقت، يظهر ذلك على استحياء في دعوة مالك لمبايعة النفس الزكية لكنه يظهر بقوة في محنة خلق القرآن، والتي كانت من بدايات المحاولات لتسييس الدين بدلاً من تديين السياسة. هكذا بدأ المأمون وابن حنبل النزال الذي استمر قرابة الثلاثة عقود صمد فيها ابن حنبل أمام ضغوط وتعذيب ثلاثة خلفاء (المأمون – المعتصم – الواثق) حتى أنهى هذه المحنة المتوكل.

لكن وبالنظر لهذه الأزمة نستطيع التعرف على طبيعة المرحلة، تلك الطبيعة التي سادت فيها الرفاهية إلى حد ما فصار المناخ ملائمًا لنمو العلم والحوارات الثقافية، صحيح أنه نتيجة لهذا الانفتاح نتجت محنة خلق القرآن، لكنه في نفس الوقت قد أنتج حضارة أفادت العالم فيما بعد. كذلك كانت طبيعة العباسيين الذين سمحوا لغير العرب بالاندماج أكثر من أسلافهم الأمويين عاملًا رئيسيًا في هذه الحضارة، كان هذا واضحًا في بزوغ نجم علماء من فارس وبخارى والسند، فكان لذلك بالغ الأثر في استمرار هذه الدولة الضعيفة سياسيًا – على الأقل اسميًا – لأكثر من خمسة قرون.

انقضى مائة عام على تأسيس الدولة وانقضى معها العصر الذهبي للعباسيين، وبدأت عصور الضعف تلوح بشائرها، وحين حلت بدايات القرن العاشر الميلادي، كانت الدولة الإسلامية على موعد مع أول كيان قوي ينازع الدولة العباسية الخلافة. فبالرغم من نشوء العديد من الدول جنبًا إلى جنب مع العباسيين بل وسيطرة هذه الدول على بعض مناطق نفوذ دولة الخلافة إلا أن أحدهم لم يَدّعِ الخلافة يومًا، حتى جاء أبو عبيد الله المهدي مؤسسًا دولته ناسبًا إياها إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله – عليه الصلاة والسلام – ضامًا الكثير من مدن شمال أفريقيا ثم لاحقًا استطاعت دولته ضم مصر والشام إلى دائرة سيطرتها ونفوذها. وهو ما دفع عبد الرحمن الناصر في أقصى الغرب – الأندلس – لإعلان نفسه خليفة أيضًا لتعيش الدولة الإسلامية حدثًا فريدًا يُدعى فيه لثلاثة خلفاء على منابر المساجد.

ربما نقف قليلاً عند هذه الواقعة لنتأمل مفهوم الخلافة الحديث، هذه الخلافة غير المركزية التي كانت السمة الغالبة لآخر عهد العباسيين، والتي تكررت مرة أخرى مع نشوء دولة الموحدين في المغرب، يبدو هنا أن سيطرة خليفة واحد على مقاليد الأمور لم تكن ضرورية لنشر الأمان والطمأنينة، بل والرخاء على أركان الدولة، فها هي الأندلس تعيش أزهى عصورها في عهد الناصر تمامًا كما تطورت قاهرة الصقلي، بل وكما استطاع الموحدون إطالة عمر دولة المسلمين في إسبانيا قرنًا آخر هو مدة حكمهم هناك قبل أن تتقلص أراضي المسلمين لتشمل فقط مملكة غرناطة.

لو أمعنا النظر قليلاً في هذه المعادلة التي استمرت قرابة الثلاثمائة عام؛ لوجدنا أن جل ما افتقدته كان روح التعاون الإسلامية والوحدة التي جعلت من هذه الخلافات المتجاورة دولاً متناحرة متنازعة على السلطة، لذلك لم يكن النظام السياسي هو المشكلة الرئيسية وإنما كان مسمى هذا النظام هو لب المشكلة. فهذه المشكلة لم تظهر مثلاً أثناء تولي السلاجقة دفة القيادة في أراضي الدولة العباسية التي سيطروا عليها، بل وقد قاموا – السلاجقة – بالدفاع عن العالم الإسلامي وبغداد نفسها عدة مرات وأنقذوها من السقوط تحت سيطرة العبيديين، لكن بقىي الوفاق قائمًا طالما نادى السلاجقة ببني العباس خلفاء ودعوا لهم على المنابر.

إذن لم تكن مشكلة العصر العباسي هي الحكم في حد ذاته وإنما اللقب. كان الأهم هو لقب الخليفة وليس سلطته، وكان النزاع نزاعًا على هذا اللقب لا السلطة. بل وكان هذا اللقب هو السبب في مختلف النزاعات التي نشأت طوال عهد العباسيين حتى سقوط دولة بغداد على يد المغول في عام 1258، ذلك السقوط الذي جاء ولأول مرة على يد غير مسلمة وغير عربية؛ ليضيع معه لقب الخليفة، وينمحي من على وجه الأرض لفترة جاوزت العامين. نتيجة لذلك فقد حزن المسلمون في شتى بقاع الأرض ليس لفقدان الدولة الإسلامية وإنما لفقدان الخليفة، ذلك الرمز الذي ظل دومًا رمزًا للوحدة وليس للسلطة أو القوة. فها هم المماليك – وقبل أن يُنشئوا دولة القاهرة المتدثرة بعباءة الخلافة فيما بعد – يتصدون لمحاولات هولاكو الهادفة للقضاء على دولة الإسلام دون أن يحوز أحدهم لقب الخليفة، لكن نصر قطز توارى قليلاً خلف ما فعله بيبرس بإعادة الخلافة وتأسيس دولة القاهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بغداد, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد